الخميس، 19 مايو، 2011

الوقت الحر لدى الأطفال وطرق استغلاله : تجربة أندية الأطفال بالمغرب

ملخص البحث

تتناول هذه الدراسة أهمية استثمار الوقت الحر في إطار محاربة التسرب المدرسي انطلاقا من خبرة تمت حول تجربة أندية الأطفال المنضوية تحت لواء العصبة المغربية لحماية الطفولة بالمغرب لحساب اليونسيف، كما تتضمن مقترحات عملية لتعميم هذه التجربة في العالم العربي والاستفادة منها بعد أن تقدم الخلاصات والاستنتاجات المرتبطة بالاهتمام بتدبير ميزانية الوقت الحر لدى الطفل والذي يعاني من وضعية تمدرس صعبة.

فبعد أن قمنا باستعراض الخبرة التي تم القيام بها والتعريف بتجربة أندية الطفل، تطرقنا إلى التعريف بإشكالية الوقت الحر التي لازالت في نظرنا لم تنل حظها من الاهتمام في وسطنا العربي؛ حيث أوضحنا أهمية مساعدة الطفل في التحكم في ميزانية وقته لإنجاح عملية تمدرسه ودور الأسرة في ذلك من خلال بناء نموذجين من السيرورة المدرسية: سيرورة النجاح الدراسي في مقابل سيرورة الفشل الدراسي. وقد بيننا كيف أن الكسل ليس مسألة شخصية تتعلق بالطفل-التلميذ بقدر ما هو نتيجة فشل عملية تنشيئية للطفل لا تجعله قادرا على التحكم في ميزانية وقته وفهم التعارضات القائمة بين الأزمنة الاجتماعية المختلفة: زمن التمدرس، زمن الحياة الأسرية، زمن الترويح ... والتوفق في عملية الملاءمة بين هذه الأزمنة لصالح تمدرسه.

وانتهت الدراسة إلى اقتراح منهجية لتعميم هذه التجربة والاستفادة منها من خلال تقديم بطاقة تقنية حول العمل الواجب القيام به لمساعدة الطفل على النجاح في مشواره الدراسي ومحاربة الهدر/التسرب المدرسي وذلك من خلال إعمال حقوق الطفل في التعامل مع الأطفال المستفدين من خدمات هذه المؤسسة وتحسيس وتوعية المحيط الاجتماعي والاقتصادي للمدرسة بهذه الحقوق وأهميتها في عملية التنشئة الاجتماعية عموما وإنجاح التمدرس خصوصا.

Abstract

The present study addresses the effective investment of leisure time as a prevention of withdrawal from school, in the light of an experiment undertaken by the Moroccan League for the Protection of Children in Morocco, on behalf of the UNICEF, on children’s clubs. This study proposes practical ways for generalizing this experience allover the Arab world. It outlines the lessons and conclusions drawn from the Moroccan experience regarding the importance of planning children’s leisure time, especially children who do not have access to adequate schooling.

My paper outlines the experiment undertaken in Morocco and it defines and describes the experience of Moroccan children in children’s clubs. It also addresses the controversial issue of “leisure time” which, in my view, is still under-discussed in the Arab world. My paper makes a case for the importance of helping a child in the management of his leisure time as a contribution to his successful schooling. It underlines the role of the family in building up two different patterns that can affect the schooling process: a successful schooling pattern, and an unsuccessful schooling pattern. It argues that laziness is not a personality related problem, but is rather a symptom and outcome of the child’s failure to manage his time. Hence a child’s failure to distinguish between school time, family time, leisure-time, and so on – and thereby, his failure to successfully manage time to the advantage of his schooling process.

The study concludes with the proposal of a methodology whereby this experiment can be replicated in the Arab world. It proposes practical guidelines on how the family is to assist the child to the advantage of his successful schooling and the prevention of withdrawal from school. It highlights the importance of the implementation of children’s rights, and the role of bringing the question of children’s rights to the attention of the social environment, and the way this bears upon successful schooling.

يتعلق الأمر في هذه الورقة بالانطلاق من دراسة تقييمية لتجربة أندية الأطفال بالمغرب[i] بهدف "جعل هذه الأندية نموذجا للمؤسسة التي تشتغل ضمن مقاربة حقوقية"[ii] خدمة لقضايا الطفولة عبر إعمال بنود اتفاقية حقوق الطفل؛ هذه التجربة التي انطلقت في إطار اهتمام العصبة المغربية لحماية الطفولة بقضايا الطفولة وتطوير خدماتها لفائدة الطفولة المحرومة والتي تعيش أوضاعا اجتماعية صعبة أو ذات احتياجات خاصة إلى جانب أندية الطفل التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة؛ غير أننا في هذه الورقة سنقوم بتناول هذه التجربة ضمن إطار أشمل من أجل التنبيه على تطوير وتوسيع أدوار المدرسة وتأهيلها ضمن محيطها الاجتماعي والاقتصادي؛ خاصة وأن الظروف الراهنة التي يعيشها العالم العربي منذ أحداث 11 سبتمبر أصبحت تطرح تحديات أمامه؛ حيث أصبح إصلاح التعليم يشكل أحد أوجه هذه التحديات. و في إطار مناقشة هذه المسألة سنقوم هنا بدراسة إشكالية العلاقة التنشيئية بين الوقت الحر والمدرسة من خلال الاستفادة من تجربة أندية الأطفال ووظيفتها التربوية التي تتلخص في مساعدة هذه الفئة من الأطفال على حسن استثمار وقتها الحر في مواجهة التسرب أو الهدر المدرسي.

1) أهمية الوقت الحر وكيفية استغلاله لتنشئة الأطفال:

من المفيد الإشارة إلى أن مصير المدرسة مرتبط بالتغيرات المجتمعية وما تفرزه هذه الأخيرة من علاقات تآثر بين العمل والوقت الحر؛ غير أن الوقت الحر يوفر ظروفا أيسر لإمكانية الاستمتاع والحميمية وتحقيق الذات بعيدا عن كل أنواع الإكراه وأشكاله. والمدرسة في الفضاء العربي (منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية) باستدامتها لأنماط التربية والتعليم المتقادمة والموروثة عن العصر الطباعي في وقت أصبحت فيه الصورة والمعلوميات تحتل كل ثنايا الحياة اليومية، ما زالت تقدم للأطفال والشباب تكوينا غير مؤهلٍ لسوق الشغل ولمتطلبات المقاولة الجديدة، كما أنها بمضمون برامجها وبيداغوجيتها لا تساعده على الاستفادة الجيدة من الأنشطة الترويحية التي بدأت تنافس المدرسة وتدخل في تعارض مع أهدافها التربوية في غياب تأهيل عام للمؤسسات التنشيئية التي أفرزها المجتمع (الأسرة، الشارع، دار الشباب، الأندية، الجمعيات، الخ.).

وتتمثل أهمية الوقت الحر من هذه الزاوية في أن هذا الوقت أصبح حقا من حقوق الإنسان الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية:

‌أ- من حيث أن لكل إنسان (بما فيه الطفل) الحق في وقت يستعمله بحسب رغبته الشخصية في تجديد طاقاته العقلية والعضلية وتفريغ مختلف التوترات والإكراهات التي تعترضه أثناء القيام بالواجبات والفروض التي يستوجب عليه القيام بها خلال وقت عمله. وهذا الحق يختلف باختلاف مراحل العمر ونوعية العمل. فالأطفال والشباب مثلا خلال مرحلة تمدرسهم يقدم لهم المجتمع ميزانية وقت حر أكبر تساعدهم على الاندماج في الحياة المجتمعية؛ أما الراشدون فيحصلون على تقاعد بعد فترة عمل تحددها قوانين الشغل الجاري بها العمل في البلاد، تشكل وقتا حرا مستحقا. وما بين مرحلتي التمدرس والتقاعد هناك أوقات حرة يومية وأسبوعية وسنوية تقننها أنظمة الشغل في كل بلد.

‌ب- ويختلف هذا الحق باختلاف النظام المجتمعي لكل بلد؛ حيث تشكل الأعياد والمناسبات الطقوسية في بعض البلدان إلى جانب المناسبات الوطنية فرصا للتعطل عن العمل. بينما لا تعترف بعض الأنظمة إلا بالمناسبات الوطنية وأخرى مدنية ... حسب النظام السوسيوسياسي الذي تقوم عليه الدولة.

‌ج- وعلى مستوى الممارسات الثقافية يشكل الوقت الحر بأنشطته مؤشرا من مؤشرات التنمية الثقافية وممارسة الحقوق الثقافية؛ حيث لا يقاس مستوى التنمية في المجتمع بمدى تواجد البنيات والتجهيزات الأساسية وجودة الخدمات الترويحية وتنوعها فقط بل أيضا بمدى الولوج إلى هذه الخدمات ودمقرطة استهلاكها واستجابتها لرغبات وانتظارات وحاجيات المواطنين على اختلاف أعمارهم وجنسهم وثقافتهم ومستواهم التعليمي والسوسيواقتصادي.

‌د- وتشكل أنشطة الوقت الحر فرصة للاستهلاك والمساهمة في الرواج الاقتصادي عبر خلق مناصب شغل (المنشطون، الفنانون، العاملون في مجال الخدمات بالمقاهي والأندية والمكتبات وصالات العرض بمختلف أنواعها والمرافق السياحية...) إضافة إلى خلق أذواق استهلاكية وأنماط عيش وأساليب حياة تشكل مؤشرا من مؤشرات الرفاه الاجتماعي وتساهم في تقوية الروابط الاجتماعية وهيكلة البناء الاجتماعي.

ولهذا أصبحت كل الدول والمجتمعات مطالبة ببلورة سياسة ترويحية تشكل ركنا من أركان سياسة البلاد من جهة، كما أن قطاع الوقت الحر أصبح قطاعا وظيفيا سواء من حيث دوره المتعاظم في الاقتصاد الوطني أو من حيث توظيفه في تنشئة مواطنة تشكل الطفولة أهم المعنيين بها من جهة أخرى.

وقد خضع الوقت الحر[iii] لتطورات مهمة من حيث طبيعته موازاة مع التحولات المجتمعية؛ ذلك أن الحضارة المعاصرة أصبحت حضارة تقوم على الترفيه إلا أن الأنشطة الترفيهية التي عادة ما تعتبر أنشطة ثانوية بدأت تفسح المجال أمام أنشطة يصعب اعتبارها ترفيها مثل الأشغال اليدوية والترميم والتكوين الذاتي والسياحة … وهكذا بدأ المرور من منطق النشاط إلى المنطق الزمني الذي أخذ صفة الوقت الحر مقابل وقت العمل. إن ظهور الوقت الحر، والذي ينعت غالبا بوقت فراغ في فضائنا العربي(ويرد استعماله غالبا بصيغة الجمع : أوقات الفراغ)، يعتبر مكسبا حضاريا من مكتسبات الثورة الصناعية. غير أن الخلط الحاصل بين وقت ربحه الأجير بفضل بيعه لطاقته العضلية و/أو الفكرية من خلال وضع وقته رهن المؤسسة حسب قوانين الشغل الجاري بها العمل وبين وقت دون نشاط (حالة البطالة مثلا) ينم عن أزمة في تمثل الوقت إذ أن تمثل الوقت لا ينفصل عن النظام الاجتماعي ولا عن النظام الذهني (أو ما يسمى بالذهنية). صحيح أن الثقافة العربية الإسلامية تشجع على الإقبال على متع الحياة لكن باعتدال، كما أنها متفائلة بالمستقبل. غير أننا نلاحظ أن عددا من الحركات الاجتماعية ثقافية كانت أو غيرها تأخذ لبوسا دينيا تدعو إلى العودة إلى الماضي في إطار ردة أمام الحداثة. وهي أزمة يمكن النظر إليها في إطار صعوبة تَمَثّلِ زمن مؤسس على الحداثة. إنها ليست فقط أزمة في الآمال التي يمكن ارتسامها في المستقبل ولكنها تبدو كأزمة في تصور فكرة المستقبل. ويتجلى ذلك في عدد من التصورات ذات الطبيعة المهدوية.

وقد غير الوقت الحر من طبيعة الممارسات الترفيهية وساعد على تنوعها[iv]. فبغض النظر عن وظائفه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن الوظيفة الثقافية تعتبر حاسمة بفعل تأثيرها في التشكل الاجتماعي. وقد ظهرت في الفضاء العربي مؤسسات جديدة تعود غالبيتها إلى المؤسسات التي ورثتها المجتمعات العربية عن المرحلة الاستعمارية أو أدخلتها الدولة في إطار لحاقها بركب الحضارة المعاصرة. كما ظهرت أنشطة جديدة مثل الرياضات على سبيل المثال لا الحصر والتي دخلت إلى المجتمع العربي عن طريق الغرب من حيث أنظمة تدبيرها رغم ما يمكن أن يقال عن أصولها التاريخية العربية أو المحلية. وقد بدأت الرياضة العربية – على سبيل المثال في مجال الأنشطة الترويحية - تنتقل من طور الهواية إلى طور الاحتراف كما أصبح لها حضور مؤثر في المسابقات الدولية محققة إنجازات أدخلت المجتمع العربي إلى العالمية. وهذا ما سمح ببروز فاعلين اجتماعيين جدد في صياغة الوجدان العربي. وقد أصبح الترفيه في هذا السياق ذا "قيمة معرفية"، كما أصبحت الأنشطة الترويحية تقوم على المهننة والاختصاص إضافة إلى التحول الموازي الذي شهدته التربية والتي أصبحت ضمنها أنشطة اللعب والترفيه أنشطة تعليمية أو شبه تعليمية، وتقوم على تمثلات بيداغوجية مثلها في ذلك مثل باقي عمليات التعلم الأخرى، وهذا ما جعل الدعاوى ترتفع لإعادة النظر في الأدوار التقليدية للمؤسسة التعليمية وفي ابتكار وسائل جديدة لتداول المعرفة والولوج إليها. يضاف إلى هذا أن أهم تحول فرضته العولمة هو نشوء "مجتمع المعرفة". مجتمع تقوم فيه السلطة على المعرفة باعتبار أن هذه السلطة المعرفية هي أرقى أشكال السلطة التي ابتكرها الإنسان عبر تاريخه الكوني لأنها سلطة تعيد إنتاج نفسها وتقوم على إعمال الفكر وعلى الإبداع والابتكار. فمع الثورة المعلومياتية والتكنولوجية تسارعت وتيرة تدوال المعلومات وأصبحت الحدود مخترقة؛ حيث أن المشاهد العربي مثلا قد تحرر من صراعات الأنظمة بفعل الفضائيات التي خلقت عالما عربيا افتراضيا. كما أن المواطن العربي الذي يعيش في المهجر أصبح يرتب حياته الثقافية حسب إيقاع الفضائيات العربية التي يلتقطها، مما سمح له بأنسنة معيشه اليومي وحرره إلى حد ما من الهيمنة الإعلامية للغرب. مقابل هذا الوضع نجد المواطن العربي يتملص من سلطة الإعلام القطري ليختار بكل حرية برامجه في فضائيات أخرى عربية و/أو أجنبية. هذا التنقل الحر للعيون العربية لم يرافقه تنقل حر للمواطن العربي في فضائه الجيوثقافي، فالحدود ما زالت قائمة، والتبادلات ضعيفة ومتقلبة مقارنة مع العلاقات مع الغرب. لقد اطلع المشاهد العربي على تنوع وثراء الثقافة والإبداع العربيين كما تقدمهما الفضائيات رغم ما يمكن أن يقال عن القنوات القطرية الرسمية أو العمومية. غير أن هذا الانفتاح في المجال السمعي البصري الذي وفرته الثورة الإعلامية والتكنولوجية يبقى غير مكتمل ما دامت سوق الإنتاجات العربية تخضع لمنطق الربح وتهيمن عليها إنتاجات تعمل على مناولة أو إشباع نزوات المشاهد العربي الأولية في غياب فضائيات للمعرفة والعلم إلى جانب انتشار الأمية.

من خلال هذه الأمثلة يمكن القول بأن الطلب على أنشطة الوقت الحر أصبح يشكل جزءا مهما من مؤشرات جودة الحياة. وهذا يتطلب توسيع مفهوم السياسة الثقافية بعيدا عن هيمنة ثقافة رسمية، ذلك أن توفير تجهيزات مهما كان مستواها من مركبات ثقافية أو وسائل نشر المعارف والمعلومات من وسائط مختلفة ليست وحدها كفيلة بضمان ثقافة وتوفير جودة، لابد من طرح السؤال فيما يتعلق بهذه السياسة الثقافية حول المضمون و"المادة الثقافية"التي تروجها هذه السياسة أو تشجعها وتدعو لها أو تنشر من خلال هذه المؤسسات والتجهيزات والوسائط، كما لا ننسى أن نطرح في هذا الصدد سؤال الكلفة-المنفعة وكذا الكلفة-الجودة. وطرح هذه الأسئلة مشروع على اعتبار أن المضمون (أو البضاعة الثقافية) المروج له ليس محايدا ولا جودة المؤسسات والتجهيزات والوسائط ضامنة وحدها لخلق وتكريس جودة لا تضمن أو توفر هذه السياسة مقومات إنتاجها. فالأمر لا يتعلق ببساطة بتلبية رغبة الجمهور أو حرية التعبير … الخ فقط. هذا النوع من التوجهات في وضع سياسة ثقافية نعتقد أن مدخله يقوم على توفير ما يمكن أن أسميه "بحالة جاذبية ثقافية" داخل المجتمع حتى لا تبقى الثقافة أو تصبح تقليعة جوفاء سواء كترف أو كحق للمواطن فقط بل أن ينظر إليها كشرط للحياة على قدم المساواة مع حرية الاستثمار وأيضا الديموقراطية وذلك حتى لا يسقط المجتمع في سيرورة "اللاتثقيف" أو التسطيح الثقافي. في هذا الصدد، يمكن القول أن الديموقراطية الثقافية تقتضي إعادة الاعتبار "للمادة الثقافية" بغض النظر عن العلامة وخارج نسق الهيمنة على الحقل الثقافي بوسائل ليست من طينة الممارسة الثقافية. ويؤكد بورديو[v] على السحر الذي يمارسه الإمضاء (أو العلامة) والذي يقوم من خلاله المتحكمون في الحقل بوضع مواد (أو خلقها) على اعتبار أنها راقية، ذلك أنها لا تكتسي قيمتها إلا من العلامة أساسا.

فالدور التنشيئي لأنشطة الوقت الحر بالنسبة للطفل ( وللراشد أيضا ) يبرز من خلال خصائص هذه الأنشطة الترويحية:

× خاصية التحرر: حيث يمنح الممارس حق اختيار نوع النشاط الذي يرغب فيه بشكل حر. فالممارس متحرر في اختياراته من كل إكراه أو توجيه.

× خاصية اللانفعية: إذ يختار الممارس النشاط بغض النظر عن نفعيته، بمعنى أن النفعية المباشرة ليست عاملا رئيسيا وأساسيا في اختيار النشاط الممارس.

× خاصية المتعة: فعبرها يتم البحث عن تحقيق متعة من خلال ممارسة النشاط، متعة مرغوبة و/أو منتظرة في حد ذاتها.

× خاصية الشخصية: وتتمثل في أن الشخص يختار النشاط لتحقيق ذاته ويستمتع به كاختيار شخصي بعيدا عن أي توجيه أو إكراه.

ومن منظور سوسيولوجيا الوقت الحر، لا يمكن الحديث عن أنشطة وقت حر إذا لم تتوافر فيها هذه الخصائص مجتمعة وإلا فإن الأمر قد يتعلق بشبه وقت حر أو وقت عمل إضافي. ونستنتج من هذا أن هذه الأنشطة الترويحية هي جزء من وقت اللاعمل. ومن نافلة القول الإشارة إلى أنها تحقق الوظائف التالية لدى ممارسها بشكل مندمج أو على شكل أسبقيات مختارة دون أن تنتفي الوظائف الأخرى التي تصبح ثانوية أو عرضية وغير مباشرة بحسب سلم الأولويات:

- وظائف سوسيونفسية: كالاسترخاء، والترفيه والترويح، وتنمية المهارات والقدرات وصقل المواهب ...

- وظائف اجتماعية: التنشئة، تحقيق الذات وتجاوز الطاقات عبر التنفيس (حالات الفوز، محاكاة الأبطال، الانتماء الرمزي من خلال ممارسة النشاط ...).

- الوظيفة العلاجية: من خلال تفريغ التوترات وتجديد الطاقات النفسية والعضلية.

وهناك وظيفة خارجية لأنشطة الترويح تتمثل في الوظيفة الاقتصادية سواء من حيث كون هذه الأنشطة مجال استثمار مهم أو أيضا من حيث الاستهلاك عبر الإقبال عليها؛ حيث أصبح يعبر عن الرياضة مثلا بأنها مجال استثمار بامتياز تحولت معه فرق كرة القدم إلى مقاولات تتداول أسهمها في البورصة ناهيك عن سوق المعدات واللوازم الرياضية ...

من خلال هذا الاستعراض العام لطبيعة الوقت الحر وعلاقته بوقت العمل[vi]، وكذلك لدوره في العملية التنشيئية عبر تحويل الفرد من كائن حي إلى كائن اجتماعي؛ نستطيع أن نقول بأن مسألة تعارض أنشطة الوقت الحر مع الأنشطة المدرسية ليست مسألة مطلقة وإنما هي ناتجة عن سوء توظيف لميزانية الوقت الحر وعن طبيعة الأنشطة الترويحية الممارسة والتي يقترحها المحيط السوسيوثقافي للمدرسة ناهيك عن انعدام آليات توافق وتكامل بين المؤسسات التنشيئية والمدرسة وأطر كفيلة بابتكار هذه الآليات وبلورة استراتيجيات تنشيطية تعمل على اندماج المدرسة في محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

في إطار الإجابة عن هذه الإشكالية الكبرى، ظهرت بالمغرب أندية للأطفال إلى جانب مديرية الأنشطة السوسيوتربوية والثقافية التابعة لوزارة التربية الوطنية. ويوجد بهذه المديرية قسمان: قسم الأنشطة السوسيوتربوية الذي يسهر على تسيير جمعية التعاون المدرسي العاملة بالسلك الأول من التعليم الأساسي، وقسم للأنشطة الثقافية ويقوم بتخطيط وبرمجة هذه الأنشطة في كل من السلك الثاني للتعليم الأساسي وكذلك في التعليم الثانوي. ترى كيف كانت هذه التجربة الخاصة بأندية الأطفال ؟

2) تجربة أندية الأطفال بالمغرب:

كما سبقت الإشارة في بداية هذه الورقة، نجد أن أندية الأطفال تنقسم إلى نوعين: نوع منها تحت وصاية وزارة الشبيبة والرياضة، ونوع ثان أنشأته العصبة المغربية لحماية الطفولة. فما الذي يميزهما ؟

أ- أندية الأطفال التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة:

لقد كان هذا النوع من أندية الأطفال هو أول مؤسسة ظهرت في الفضاء المغربي، وذلك في إطار تفعيل التوصيات المنبثقة عن المناظرة الوطنية الأولى لحقوق الطفل والتي انعقدت في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وتم خلق هذه الأندية كمؤسسات تقوم بدور الاستشارة والتوجيه التربوي وتأطير الأطفال المهددين بالانحراف وتوجيههم بالإضافة إلى توفير تكوين مهني لمن فشل منهم في مساره الدراسي كبديل للأوراش التقليدية وغير المهيكلة التي كانت تستغل فيها الطفولة بأشكال مختلفة وتحت مسميات متنوعة. غير أن هذه المؤسسات بفعل النقص في التأطير والتجهيزات تحولت إلى صورة مماثلة لدور الشباب؛ بل إن تواجد بعضها ضمن دور الشباب لانعدام بناية مستقلة وخاصة بها جعلها مندمجة في دار الشباب الشيء الذي أثر بشكل سلبي عليها وجعلها جزءا من دار الشباب. كما أن البعض منها لم يستطع استقطاب الأطفال بفعل تواجده في أحياء تتميز بصعوبة تأطيرها وعلى الخصوص من حيث التفاوت الحاصل بين ما تقدمه الأسرة لطفلها وما يقترحه النادي بالقياس مع واجبات الانخراط.

فالمهام الملقاة على عاتق هذه المؤسسة لم يواكبها توفير للأطر الكفأة وبالعدد الكافي من جهة كما أن عدم تحديد المهام المنوطة بها بشكل كاف جعلها تعيد إنتاج نفس الخدمات التي تقدمها مؤسسات وبنيات استقبال أخرى (التكوين المهني بمختلف أسلاكه وتخصصاته، جمعيات الطفولة الوطنية، الخ.) وغالبا بكفاءة أقل. إضافة إلى أن البنايات التي كانت تستضيف هذه المؤسسات لم تكن تتوافر فيها مواصفات مؤسسة خاصة بالطفولة سواء من حيث البناية كبناية أو من حيث محيطها المباشر. ولعل تنوع جمهور المستفيدين منها سواء التلاميذ المتمدرسين أو الذين انقطعوا عن الدراسة كان من بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في إبراز الصورة السلبية التي كونتها الأسر عن هذه الفضاءات وفي سوء استجابة هذه الأخيرة لانتظارات الأطفال الذين أقبلوا عليها. فقد تحولت بسرعة إلى أماكن تجمع لمجموعات الأقران دون أن تستطيع النهوض بما كان منتظرا منها إلا ما كان من بعض الأنشطة الظرفية التي كانت تبرمج من حين لآخر وفي فترات متباعدة. غير أنه منذ أن بدأ الاهتمام في ظل التوجهات السياسية الجديدة وضمن برنامج "العطلة حق للجميع" والبرامج الاجتماعية الأخرى الخاصة بالطفل بدأت هذه الفضاءات تشهد تحولا نوعيا من حيث تدبيرها والمهام المنتظرة منها.

ب- أندية الأطفال التابعة للعصبة المغربية لحماية الطفولة:

أمام هذا الوضع الذي كان يتطلب تدخلا إداريا وقانونيا سريعا لتصحيح الأوضاع؛ جاءت ردة الفعل من المجتمع المدني والذي اتسم بنوع من النجاعة والفعالية؛ حيث افتتحت العصبة المغربية لحماية الطفولة وبتعاون مع الوزارة الوصية أندية للأطفال لكن ضمن توجه جديد[vii] كان القصد منه التخفيف من الضغط على الأندية الموجودة مع تغطية الفضاءات الحضرية التي لم تكن تغطيها الأندية التابعة للوزارة. كما أن هذه الأندية التي استحدثتها العصبة كانت تعمل مع الأطفال المتمدرسين فقط والذين يعيشون بالأحياء الهامشية أو ضمن أسر فقيرة ويعانون من صعوبة في التمدرس. وقد تم افتتاح هذه الأندية ضمن المراكز التي كانت تتوفر عليها العصبة وتقدم من خلالها خدماتها للأسر المعوزة. وهو ما جعل هذه الأندية تعرف إقبالا بالنظر للعلاقات التي كانت تربط الأسر بهذه المراكز سواء عبر استفادتها من برامج التوعية الأسرية أو باقي الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدم للنساء والأمهات.

واجتهدت العصبة من خلال المساعدات التي حصلت عليها في تأثيث هذه الفضاءات بتجهيزات سوسيوثقافية سواء على شكل أجهزة سمعية بصرية (تلفاز، فيديو، مذياع وآلة تسجيل ...) أو مكتبة تحتوي على كتب ومجلات للأطفال وألعاب العشرة المتنوعة ... ناهيك عن توفير فضاء للعب وممارسة الرياضات المفضلة للأطفال من كرة قدم وكرة طائرة ... بخلاصة كل ما يفتقده أبناء هذه الأسر الفقيرة في فضائهم الأسري ومحيط حيهم. وقد عملت هذه الأندية ضمن استراتيجية تهدف إلى دعم التمدرس والحد من التسرب المدرسي؛ حيث كان الأطفال يقضون أوقات فراغهم بالأندية بدل قضائها في الشارع بعيدا عن مراقبة الأسرة والتي كان فيها الوالدان غالبا ما يغادران البيت في الصباح الباكر للعمل طوال النهار في أعمال مختلفة لضمان القوت اليومي لأطفالهم. ولهذا فإن الأندية كانت تفتح أبوابها حوالي التاسعة صباحا إلى السادسة مساء. ويقضي بها الأطفال المسجلون بياض نهارهم. على أن هذه الأندية لا تقدم وجبات تغذية إلا أنها تقوم بمتابعة تمدرس الأطفال سواء من حيث التعاون مع إدارة المدرسة في تتبع الحياة والمسار الدراسيين للطفل وإخبار الآباء بما يجعلهم منخرطين بشكل مسؤول وواعٍ في تدبير تمدرس أطفالهم بشكل فعال. هذا، بالإضافة إلى تنظيم اليوم الدراسي للأطفال بحسب مستوياتهم التعليمية سواء من حيث المساندة في أداء الفروض والواجبات المدرسية أو تنظيم دروس للمراجعة والدعم والتقوية في المواد التي يلاحظ أنها تحتاج لذلك. ويتم هذا بحسب برنامج يومي تتخلله فترات أوقات حرة للأطفال يقضونها في المعامل التربوية أو الأناشيد ومختلف الأنشطة الترويحية.

إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن هذه المجهودات ظلت تنوء تحت ضغط الأعداد المتزايدة للمستفيدين والتي تجاوزت بسرعة حجم التأطير حيث أن غالبية هذه الأندية لا يعمل بها إلا مؤطر واحد يقوم بالعمل الإداري والإشراف التربوي والتنشيط. وهو ما دفع بالهيئة المدنية المشرفة عليها أن تقرر القيام بدراسة تقييمية للنهوض بأوضاع هذه الأندية بعد تجربة عشر سنوات من العمل ( أول ناد افتتحته العصبة المغربية لحماية الطفولة كان سنة 1993 بمدينة العيون بالصحراء).

وقد تمت هذه الدراسة التقييمية بشراكة بين العصبة ومنظمة اليونسيف[viii]، وقد جاءت في إطار ظرفية اتسمت بصدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين[ix]، وانخرطت في سياق التقرير الوطني حول الطفولة 2001 الذي تم إعداده للمؤتمر العالمي للأطفال. كما أن هذه الدراسة كانت إعمالا لإحدى توصيات التقرير الأدبي الذي أعدته العصبة سنة 2000 لمؤتمرها الوطني.

وبالعودة للمرجع المذكور (الهامش رقم 2)، نشير إلى أن هذه الدراسة التقييمية اعتمدت منهجية بحث متكاملة قامت أساسا على ثلاث مبادئ أساسية:

Û توظيف مقاربة حقوقية تتوخى إعمال مضامين اتفاقية حقوق الطفل،

Û اعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار انتظارات ومطالب مختلف أطراف العملية السوسيوتربوية مع إعطاء الطفل الدور المحوري باعتباره المعني الأول بهذه العملية.

Û تبني مقاربة مقاِرنة تهدف إلى استشراف إمكانيات الشراكة والتشبيك بين مختلف الفاعلين في ميدان الطفولة سواء كقطاع حكومي أو كمجتمع مدني أو كقطاع خاص.

وقد تمت بلورة هذه المنهجية عبر تقنيات بحث توخت جمع المعطيات الكفيلة بوضع تشخيص متوافق حوله بين مختلف الأطراف ( الطفل، العصبة، المدرسة، الأسرة، الخ.) وموضوعي، يجعلنا قادرين على تدعيم المكتسبات واقتراح بدائل عملية لتجاوز السلبيات بحسب الإمكانيات وفي إطار استراتيجية واضحة تبلور سلم الأولويات. وتمثلت هذه التقنيات في:

- البحث الوثائقي: وشمل دراسة كل وثائق المؤسسات التنشيئية التي قمنا بحصرها سواء بالإدارات المركزية أو عند الزيارة الميدانية لبعض الأندية التي تم اختيار عينة تمثيلية منها. وهي على الخصوص: وثائق العصبة المتعلقة بأندية الطفولة الموجودة تحت وصايتها، وثائق قسم الطفولة بوزارة الشبيبة والرياضة المتعلقة بالأندية الموجودة تحت وصايتها، وثائق أقسام مديرية الأنشطة السوسيوتربوية والثقافية التابعة لوزارة التربية الوطنية.

- الاستمارة : والتي تم بناؤها ضمن جلسات تمت مع عينة من الأندية خلال الزيارات الميدانية، وقد وجهناها إلى كل الأندية التابعة للعصبة. وتضمنت جزءين: جزء خاص بالإدارة المسيرة للنادي والذي كان الهدف منه التعرف على وضعية النادي وطرق تدبيره والجوانب الإيجابية أو السلبية التي يعرفها هذا التدبير ... وجزء خاص بلجان الأشبال باعتبارها هيئة منتخبة من طرف الأطفال تساهم في تدبير الأنشطة والبرامج بالنادي وانصبت أسئلتها على التعرف عن نظرة الأطفال وانتظاراتهم لما يقدمه النادي من خدمات.

- المقابلة: وتوزعت بحسب نوعية المعنيين. حيث كانت هناك مقابلات جماعية شبه موجهة مع الأطر المشرفة على أندية الأطفال التابعة للعصبة والتي ضمت المؤطرين وأعضاء المكتب المسير للجمعية؛ والتي كانت فرصة لبناء الاستمارة من جهة والاطلاع على الوثائق المتعلقة بالنادي من جهة أخرى، كما انصبت على تدبير النادي وعلاقته بمحيطه التعليمي والسوسيوتربوي والاجتماعي عموما وتقييم العمل الذي يقوم به النادي واستشراف مستقبل هذا العمل ... كما كانت هناك مقابلات جماعية موجهة وموضوعاتية مع أولياء وآباء وأمهات الأطفال المستفيدين من خدمات النادي والتي تم العمل ضمنها على مرحلتين: الأولى همت طبيعة العلاقة مع النادي من جهة والعصبة من جهة أخرى وتقييم خدمات النادي المقدمة لأطفالهم، أما الثانية فكانت على شكل ورشة استبداع كان الهدف منه اقتراح الحلول الكفيلة بالنهوض بوضع النادي وتحسين خدماته والرفع من جودتها لا فيما يتعلق بما تطلبه الأسر ولكن أيضا بما ينتظر منها كمساهمة فعلية في تنشيط حياة النادي ودعم أنشطته بما يخدم دور الأسرة التربوي ويساعد الطفل على التمتع بحقوقه.

- تقنية المجموعات البؤرية: خلال ورش التقييم النهائي للدراسة والذي انقسم على ثلاث فترات: فترة المجموعة البؤرية الخاصة بالأطفال المستفيدين من خدمات النادي، وفترة المجموعة البؤرية الخاصة بالمنشطين المشرفين على تأطير الأندية المنضوية تحت العصبة، ثم فترة أخيرة ضمت الأطفال إلى جانب المؤطرين. وقد شارك في هذه الورشة أطر الشبيبة والرياضة وأطر وزارة التربية الوطنية. ولئن انصبت أعمال الفترة الأولى والثانية على المصادقة على نتائج الدراسة وبناء تصور لما يجب أن يكون عليه "ناد جدير بالطفل" فإن الفترة الثالثة هدفت إلى بلورة معايير جودة نموذجية خاصة بنادي الأطفال والتي يجب أن تكون متضمنة ضمن دفتر تحملات يقوم عليه مشروع المؤسسة كتعاقد بين مختلف الأطراف العاملة في ميدان الطفولة.

لقد تم التوليف بين مختلف هذه التقنيات بحسب المراحل التي مرت منها الدراسة والتي انقسمت إلى ثلاث مراحل كبرى:

· مرحلة جمع المعطيات والدراسة الوثائقية وفيها تم بناء مدونة البحث وحصر العينة التمثيلية واختيار المؤسسات التنشيطية المحيطية.

· مرحلة العمل الميداني والتي تم خلالها القيام بالزيارات الميدانية وإنجاز الاستمارة والمقابلات.

· مرحلة المصادقة على الدراسة التقييمية والتي كانت على شكل ورشة عمل دامت يومين تم خلالها تقديم نتائج الدراسة والمصادقة عليها من خلال اعتماد تقنية المجموعة البؤرية خاصة فيما يتعلق ببناء معايير الجودة الخاصة بالنادي الجدير بالطفل وكذا البحث مع أطر النادي عن أوجه تطبيق تدبير تشاركي وتعاقدي للنادي سواء من خلال الاحتضان أو الانفتاح على المحيط السوسيوثقافي للنادي.

وقد أفضت الدراسة التقييمية إلى تبيان الدور الذي قامت به هذه الأندية رغم قلة الإمكانيات وضعف التأطير بصفة عامة؛ حيث نجحت في مساعدة عدد كبير من الأطفال المنخرطين فيها على تدبير تمدرسهم بشكل مقبول وتذليل العوائق التربوية والبيداغوجية التي تعترض هذه الفئة من الأطفال والتي تتسم وضعيتها الأسرية والاجتماعية بالهشاشة. كما أنها ساهمت في تمتين العلاقات التربوية بين المدرسة والأسرة من خلال تتبع تمدرس هؤلاء الأطفال ومساعدة أوليا وآباء هؤلاء الأطفال في توفير مناخ أسري يساعد على التقليل من التسرب الدراسي عبر الحيلولة دون انقطاع الأطفال عن متابعة دراستهم وخروجهم المبكر للعمل وخاصة الفتيات. وشكّل العمل من أجل الاستثمار الجيد للوقت الحر لدى التلاميذ من خلال مساعدتهم على مراجعة دروسهم وإنجاز فروضهم وواجباتهم المدرسية كالحفظ والتمارين والعروض وغيرها محور اهتمام نادي الطفل. ويشرف على كل هذا المنشط الذي كان ينتظر منه أن يلعب كلا من دور المربي والمعلم والمنشط يساعده في ذلك بحسب اجتهاده وابتكاره في مجال التدبير والتسيير رئيس مجموعة أو فرقة أو اختياره للنجباء من الأطفال والذين يتوسم فيهم قدرة على المسؤولية في مساعدته في مهامه. وكان يتم افتتاح كلا من الحصتين الصباحية وما بعد الزوال بإنجاز الفروض والواجبات المدرسية على أن الأوقات المتبقية تخصص لأنشطة ترفيهية أو ترويحية حسب برنامج يضعه المنشط وبحسب ما يتوافر لديه من وسائل وتجهيزات. ومع تقدم تجربة الأندية التي كانت تدعمها منظمة اليونسيف، تم تطعيم إدارة النادي بلجنة الأشبال: وهي لجنة من الأطفال المرشحين التي ينتخبها المنخرطون في النادي، ويراعى في ترشيحهم الاستقامة والمواظبة والنتائج الدراسية الحسنة. وكانت هذه اللجنة تعمل إلى جانب المنشط المسؤول على تدبير النادي وأنشطته المبرمجة والسهر على إنجاز المهام داخل المجموعات التي هم مسؤولون عنها.

ورغم ذلك لاحظنا من خلال الدراسة التقييمية أن الرفع من جودة الخدمات التي يقدمها النادي وتنويعها وتجديدها بالنظر إلى المستجدات التربوية والأوراش الاجتماعية التي انطلقت مع حكومة التناوب الديمقراطي. فالميثاق الوطني التربية والتكوين (وخاصة ما تقدمه المواد التالية: 13-19-40-41-61-63-65-66-119-131) يفترض في النادي أن يشكل أداة تنشيئية في تكامل مع باقي المؤسسات والبنيات. وعليه فإن هذه المواد تمنح الحق للعصبة من خلال أنديتها ببناء شراكة مع وزارة التربية الوطنية من أجل دعم تعميم التمدرس ودعمه ومحاربة التسرب الدراسي؛ الشيء الذي يفرض على وزارة التربية الوطنية مدها بالأطر التربوية الكفيلة بالقيام بهذه المهام أو تقديم تكوين للأطر المتطوعة أو تلك التي يتم تشغيلها بشكل عرضي، كما أنها يمكن أن تساعدها إلى جانب وزارة الشبيبة والرياضة وفق بنود اتفاقية الشراكة أن تغطي كلا أو جزءا من رواتب المؤطرين العرضيين.

هذا على مستوى التأطير والخدمات؛ أما على مستوى منهجية التأطير فإن المنشطين بفعل وضعهم التطوعي ليست لديهم الكفاءة البيداغوجية لابتكار تقنيات تنشيطية في المجال التعليمي بالإضافة إلى الصعوبة التي كانوا يلاقونها في تأطير الأشغال المدرسية؛ ذلك أن حصص الدعم المدرسي كانت تستنزف طاقات المنشطين وتأخذ حيزا كبيرا من الوقت الحر للطفل لكثرة الأطفال وتعدد المستويات التعليمية وتنوع المطالب والحاجيات وضعف التأطير؛ حيث أن هذه الحصص كانت تعيد إنتاج الإكراهات المدرسية. في حين، أن الأمر يتطلب تفكيك هذه الإكراهات والعمل على تجاوزها من خلال مرافقة الطفل في مراجعة دروسه ومساعدته على فهم ما صعب عليه بالفصل، وذلك ضمن استراتيجية بيداغوجية بديلة للبيداغوجيا المدرسية. وفي هذا الصدد، يأتي التنشيط البيداغوجي من خلال تكسير وتيرة الدرس وإعادة بنائها حسب وتيرة تنشيطية تهتم ضمن مقاربة التعلم التعاوني مثلا ( باعتباره تعلما ذاتيا أو تعلما تحت المراقبة ) بتنظيم الأطفال ضمن مجموعات صغيرة ( متجانسة أو العكس) حيث تتمحور مجهوداتهم على تحقيق هدف مشترك ( فهـم الدرس أو إنجاز جماعي لتمرين أو فرض ...). وتمكن هذه المنهجية من اكتساب مهارات معرفية واجتماعية فطرية على اعتبار أنه ليس هناك كسول في الطبيعة ولكن الكسل وضعية تنتج عن سيرورة تهميش وإقصاء وعدم توافق وصعوبة اندماج. وتهدف هذه الطرائق التنشيطية إلى مساعدة التلاميذ الذين يعيشون وضعية فشل دراسي من وجود مكان لهم بين أقرانهم في المدرسة، كما أنها تمكن من هم في وضعية اضطراب سلوكي لأسباب ما من خلق حوافز اندماجية عبر إنجاز مهام ومشاريع تكوينية.

وقد نبهت الدراسة إلى أنه لابد من النظر إلى وضعية التلمذة والتمدرس على أنها المهنة والتي يطلب من الطفل وفق معايير محددة إنجازها ككائن اجتماعي له كينونته المستقلة. وككل المهن، فإن كون الطفل تلميذا يتطلب النظر إليه ضمن منظور ما أسميه "بالمواطنة المدرسية" والتي تقوم على:

أ‌) "مواطنة الانتماء" التي تحدد العلاقات بين الأفراد والمجموعات المرجعية (المدرسة، الأسرة، جماعات الأقران، الأندية، الجمعيات، الخ.) مع الظواهر المتداخلة التي تقتضيها هذه العلاقة.

ب‌) "المواطنة التشاركية" التي يجب أن تمارس في الوسط المدرسي من طرف كل الأطراف (التلاميذ، الجهاز التعليمي، الإدارة، جمعية آباء وأولياء التلاميذ، الخ.).

أي أنه يجب أن لا ينحصر إعمال حقوق الطفل في تدبير النادي فحسب بل من الضروري أن يمتد إشعاع ذلك إلى المحيط التربوي والاجتماعي والاقتصادي للنادي؛ خاصة إذا عرفنا أن المدرسة المغربية بدورها قد أدمجت ضمن برامجها "التربية على المواطنة وحقوق الإنسان" منذ سنة 1994، تاريخ توقيع اتفاقية بين وزارتي التربية الوطنية وحقوق الإنسان بهدف إدخال هذه التربية في التعليم العمومي. هذه الاتفاقية التي فتحت أوراش مراجعة مضامين المقررات الدراسية مابين 1997 و1998، لكي تدمج فيها القيم والثقافة الديمقراطية (حقوق الإنسان، المواطنة، المساواة بين الجنسين، الشأن المحلي، البيئة، الخ.). وقد شهدت السنة الدراسية 2001-2002 انطلاق المرحلة التجريبية لهذا التعليم، وفي السنة التالية فقط تم تنظيم سلسلة من التكوينات لفائدة المدرسين. وشكلت السنة الدراسية 2003-2004 الانطلاق الفعلي للتربية على حقوق الإنسان.وهو ما فتح الباب أمام مشاريع للتربية على المواطنة بفضل شراكة بين وزارة التربية الوطنية وعدد من الجمعيات. ولهذا نرى أن على الأندية أن تستفيد من كل هذا، على اعتبار أن "مواطنة الطفل" تتجلى في:

أ‌- النظر إلى الطفل ككائن اجتماعي ذي كينونة خاصة ومتميزة من حيث حقوقه في علاقة بالواجبات التي عليه إنجازها كطفل-كائن لا كمنتج إيديوثقافي. إنه يعيش وضعية استقلال من حيث متطلبات السيرورة التنشيئية لكنه في وضعية تبعية من حيث حصوله على حقوقه خاصة ما يتعلق منها بحقوق البقاء والنماء.

ب‌- اعتبار تتلمذ الطفل مهنة من نوع خاص تستوجب توفير كل الشروط الكفيلة بإنجاحها مع احترام خصوصيات الطفل. ويتعلق الأمر بإشراكه بحسب كفاءاته ومؤهلاته ووضعيته التعليمية في تدبير مرافق المؤسسة التي تقدم له الخدمات مع احترام حقه في التمتع بوقته الحر أُسوة بسائر المهن.

هذه بصفة عامة المقتضيات المنهجية التي رأينا التنصيص عليها في الدراسة التقييمية وذلك لتبيان اختلاف الوضعيات التنشيطية في علاقة بإعمال حقوق الطفل باعتباره المعني بهذه العملية. والتي نلخصها على الشكل التالي بالنظر لما أوضحناه سالفا:

وفي المبحث التالي سنحاول الاستفادة من الخلاصات المدرجة أعلاه وهذه الخطاطة المبينة في الجدول السالف لتقديم ملاحظات كفيلة بوضع استراتيجية تساعد على استثمار الوقت الحر في محاربة التسرب المدرسي.

النشاط

طبيعة النشاط

وضعية المنشط

العلاقة المؤسسية

الهدف

نوعية الوقت

التعليم

التعلم

معلم

مقننة وفق هدف مؤسسي مسبقا

مباشر

وقت عمل

الدعم المدرسي

نشاط شبه مدرسي

مؤطر / معلم

مقننة باتفاق بين الأطراف حسب طبيعة النشاط

مباشر ومرغوب فيه

وقت عمل إضافي

أنشطة تثقيفية وتحسيسية

نشاط موازي

مربي / مكوِّن

مؤسسة بحسب الالتزامات والقوانين المتفق عليها

بحسب قصدية النشاط وإطار ممارسته

وقت شبه حر

أنشطة ترفيهية

نشاط حر

منشط

مرنة وغير ملزمة إلا من حيث قواعد الممارسة

المتعة واللامبالاة

وقت حر

3) بين استثمار الوقت الحر وإنجاح تمدرس الطفل/التلميذ:

فانطلاقا من نتائج المبحث الأول الذي تطرقنا فيه إلى أهمية الوقت الحر وتوظيفه في تنشئة الطفل والمبحث الثاني الذي تناولنا فيه نتائج الدراسة التقييمية التي همت تجربة أندية الطفل بالمغرب كنموذج لاستثمار الوقت الحر في دعم تمدرس الأطفال؛ سنحاول توسيع الإشكالية في هذا المبحث قصد تناول علاقة الزمن المدرسي بالوقت الحر وأزمنة الأنشطة الترفيهية والترويحية وذلك بهدف تسليط الضوء على شروط إنجاح تمدرس الطفل المنخرط في سياق أزمنة اجتماعية مختلفة. وذلك في إطار التوليف بين عناصر الإجابة المعتمدة على سوسيولوجيا الوقت الحر وسوسيولوجيا التربية وسوسيولوجيا الشغل من أجل إثارة الانتباه إلى المدرسة الجديدة المنشودة وسيرورة التمدرس الكفيلة بتدبير الإصلاح التربوي الذي بدأ الحديث عنه ضمن الإصلاحات المنبثقة عن منتدى المستقبل المنعقد مؤخرا بالرباط (المغرب).

لقد أبانت العديد من الأبحاث[x] على أن التمدرس يتم ضمن تفاوتات اجتماعية مما يحد من الصبغة الديموقراطية للتعليم وتكافؤ الفرص الذي تجتهد المدرسة على توفيره. كما أن مفهوم التنشئة في التحاليل التي تناولت التربية عموما والمدرسة على الخصوص عمل على فهم كيف يستوعب الطفل قيم ومعايير المدرسة أو على العكس من ذلك كيف يبتعد عنها مستغلا في ذلك تعارض المنطق الاجتماعي الخاص بكل مؤسسة من المؤسسات المحيطية. فالتنشئة باعتبارها كذلك هي أولا سيرورة تعلم الأفراد أنماط التفكير والتعامل مع محيطهم وتمثلها لتصبح جزءا من شخصيتهم. وبنقلنا لهذه الملاحظة إلى الفضاء المدرسي، يمكننا القول بأن التنشئة هي أيضا الاندماج المتدرّج في العالم الدراسي الموضوعي حيث الوقت يمثل قيمة تهذيبية (استعمال الزمن) وبيداغوجية (النجاح والارتقاء في التمدرس). من هذه الزاوية، يعتبر الزمن المدرسي إلى جانب الزمن الأسري منتجا للقيم وبالتالي للممارسات الاجتماعية. من هنا يمكننا التساؤل حول تأثيرات أنشطة الوقت الحر والممارسات الترفيهية على النتائج الدراسية للطفل ونجاحه في تمدرسه.

فالتنشئة، بالنظر لما سبق أن أشرنا إليه، هي في الآن نفسه مجال وتعامل:

· مجال مكوّن من عدد من المؤسسات تشكل ضمنها المدرسة المؤسسة المحورية والأكثر أهمية بالنظر للرهانات الاجتماعية المطروحة حول التربية والتعليم فيما يتعلق بالترقية الاجتماعية.

· تعامل اعتبارا للتآثر الحاصل لدى الفرد الطامح إلى تحقيق مشاريع في علاقته بهذه المؤسسات ( وعلى رأسها المدرسة ) التي تنتج المعايير وتدافع عن بعض القيم.

من هنا تظهر التنشئة كتوليف تبادلي. وهو ما يطرح علينا الانتباه إلى تتبع كيفية انتقال الأطفال بين هذه المؤسسات (المدرسة، الأسرة، جماعة الأقران، الوقت الحر، الأنشطة الترويحية، الخ.).

فبين الزمن المدرسي والوقت الحر يتأرجح الطفل / التلميذ بين مبدأ الترابط بين الممارسات المدرسية والاجتماعية والتمييز فيما بينها. فأن يكون لك وقت حر معناه أن تفعل ما تريد بعيدا عن أي إكراه، وعلى العكس أن تغرق في فروض وواجبات فلا وقت حر لديك!! ولابد من الإشارة هنا إلى أن العلاقة مع الوقت الحر تتغير بتغير المجتمع وتغير مضمون وأنشطة وقت العمل. فالثورة التكنولوجية والمعلوماتية أثرت في نظام ووقت العمل كما أنها أثرت في الوقت الحر وأنشطته بل أنها امتدت إلى الأزمنة الاجتماعية الأخرى (ظهور أول جيل تلفزي بالعالم العربي في الثمانينيات من القرن الماضي، وبداية ظهور ملامح أول جيل معلوماتي مع مطلع القرن الحالي رغم ما يمكن أن يقال حول الفجوة الرقمية). ومن ثم فإن وقت العمل بدأ يتقلص على عكس الزمن المدرسي الذي ظل مركزيا من حيث أهميته وحجمه آخذا في التزايد.

والسؤال المطروح: هل يمكننا الحديث عن وقت حر بالنسبة للتلميذ أم عن وقت محرّر؟ بمعنى أنه لا يمكننا عزل الزمن المدرسي عن هذا الزمن المحرّر مادام الطفل كتلميذ يتحرك ضمن أنماط تنشيئية تقوم على نوع من "تهذيب" السلوكات الاجتماعية لهذا الكائن الاجتماعي التي تتدخل في بناء تمثله الخاص عن المدرسة والعمل الدراسي. ولهذا يمكننا القول مبدئيا بأن نجاح الطفل في التمدرس رهين بنوعية العلاقة التي يقيمها مع مختلف الأزمنة الاجتماعية ومختلف المؤسسات التنشيئية وعلى رأسها المدرسة والأسرة. وفي هذا السياق يمكن معالجة هذه القضية حسب المحاور التالية:

1.3) سوء المعرفة بميزانية وقت التمدرس:

ونلاحظ أن الزمن المدرسي ممتد ولا يتحدد بالعمل داخل المدرسة فقط حسب استعمال زمن محدد، بل إنه يتضمن أيضا الوقت الذي يستغرقه الطفل في التنقل إلى المدرسة، ينضاف إليه الزمن الذي يستهلكه الطفل كتلميذ لإنجاز واجباته المدرسية. وهو ما يشكل ميزانية وقت التمدرس. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدراسات والأبحاث حول هذه الميزانية ومكوناتها تنعدم في فضائنا العربي. غير أنه انطلاقا من اهتمامنا بهذه المسألة وإن بشكل غير مباشر نلاحظ أن الأطفال يشتكون من كثرة الفروض والواجبات وتكدسها أحيانا في فترات زمنية محددة (فترة الامتحانات). فالتضخم الحاصل في زمن العمل الإضافي (الفروض والواجبات) يرهق الطفل بالنظر إلى أشكال استثمار هذا الزمن داخل الفصل كما يصرح بذلك عدد من التلاميذ وحتى المعلمين والأساتذة بالنظرة للاكتظاظ الذي تعرفه الفصول. على أنه لا ينبغي أن يحجب عنا تضخم ميزانية وقت التمدرس أهميتها النوعية من حيث طبيعة الأنشطة التعليمية والتثقيفية والتربوية التي توفرها للطفل (وقت التنقل إلى المدرسة غير معني في هذا المستوى). ومن منظور السوسيولوجيا (وعلى الخصوص سوسيولوجيا التربية)، فإن المدرسة أصبحت مؤسسة تدبر وتوجه وتنظم سيولة المراهقة داخل المجتمع. كما أن المدرسة أصبحت معبرا لا محيد عنه في حياة الفرد. فهي ليست فقط واجبة (إجبارية التعليم) بل ضرورية أيضا: لا أحد يعتبر التخلي عنها مسألة هينة. فالرهانات التي تقوم حول التعليم تشكل إحدى آليات الترقي والاندماج الاجتماعيين. فقيمة الفرد في سوق الشغل تتحدد بالمستوى التعليمي ونوعية الشواهد المحصل عليها. ولهذا تظل هيمنة الزمن المدرسي أهم سواء من حيث الكم أو الكيف. وسنحاول توظيف هذين الجانبين لتقديم تفسير جزئي لعلاقة المتفوقين وغير المتفوقين بالمدرسة وبالأزمنة الاجتماعية الأخرى.

2.3) المتفوقون:

من خلال تحليل الوثائق المتعلقة بأنشطة جمعية التعاون المدرسي بالمغرب والتي اعتمدناها في الدراسة التقييمية لتجربة أندية الأطفال، وفي سياق الطرح المذكور آنفا، يمكننا أن نقدم الصورة النموذجية التالية: إن التلاميذ المتفوقين يقبلون على المساهمة في الأنشطة بشكل أكبر من التلاميذ غير المتفوقين. ويتعاطون للأنشطة المرتبطة بالتعليم (المسرح مثلا) لما لمضامين هذه الأنشطة من عوائد مفيدة في تمدرسهم وإن بشكل غير مباشر. حيث أنها تساهم في تنمية الرصيد اللغوي للتلميذ ، كما أنها تتضمن معارف قابلة للاستثمار في مواد دراسية مختلفة خاصة المواد الأدبية. وهو ما يجعلها مفضلة لديهم ضمن برامج التنشيط المدرسي. وهذا يفسر إلى حد ما نفور هؤلاء بصفة عامة من الرياضة كمادة دراسية. كما أن هؤلاء يلتحقون بمنازلهم بمجرد مغادرتهم للمدرسة، وهو ما يجعل زمن تنقلهم أقل حيث يستثمرونه في إنجاز فروضهم سواء بمفردهم أو باللجوء إلى أحد الوالدين أو الإخوة. وهو ما يجعل الطفل متحكما في وتيرة تمدرسه وفي ميزانية وقت التمدرس ومن ثم تمثله لقيمة الوقت وأهميته في النجاح المدرسي. وهكذا تصبح الأنشطة الترويحية امتدادا للعمل المدرسي ولا تتناقض معه.

فهؤلاء المتفوقون يأوون إلى فراشهم في أوقات منتظمة، غالبا بعد الانتهاء من إنجاز واجباتهم المدرسية وفي وقت مبكر، وهذا يساعدهم على الاستيقاظ وهم في كامل نشاطهم وحيويتهم. غير أن تمثلهم لهذه القيم والمعايير يكون ناتجا عن تتبع أسري ومواكب لعملهم المدرسي؛ حيث تشكل الأحاديث عن الحياة الدراسية للطفل جزءا من المعيش اليومي للأسرة. فهؤلاء لا يخشون من الحديث عن نقطهم بل ويساهمون في التعرف على نقط ضعفهم. فتمدرسهم يأخذ معايير مهنية. إذ تقوم الأسرة بمساعدة طفلها على التأقلم مع تمدرسه وتجاوز العراقيل التي قد تواجهه. كما تشكل الأوقات الحرة والعطل فرصا لأنشطة تحيل على استمرارية التعلم ( المطالعة، السينما، المكتبة ...) ، أنشطة تمارس داخل الأسرة وبمساعدتها. فالطفل يعيش المدرسة في حياته اليومية باستمرار ودون إكراه.

3.3) غير المتفوقين:

أما هؤلاء، فيختارون عموما الأنشطة الرياضية والتي لا ترتبط بالمواد الدراسية الأخرى. وتجرى هذه الأنشطة الرياضية كما لو أن المدرسة إطار لممارسة الرياضة فقط. ومع ذلك فإن الرياضة كمادة دراسية لا تستقطب اهتمامهم بشكل كبير مثلما هو عليه الحال في الأنشطة الرياضية الممارسة ضمن برامج التنشيط المدرسي. إذ يبدو كما لو أنهم يفضلون "الأنشطة العضلية" على "الأنشطة العقلية". فما ينفر منه هؤلاء يقبل عليه الآخرون والعكس صحيح، وكأن هناك عملية تمايز بين الفئتين.

وعند مغادرة المدرسة، يفضل غير المتفوقين (خاصة الذكور منهم) البقاء في الشارع للعب مقابلة في كرة القدم أو ممارسة نشاط ما يستهويهم (غالبا غير مدرسي). وهو ما يجعلهم يتأخرون في وصولهم إلى منازلهم من جهة وبالتالي يدخلون البيت مرهقين الشيء الذي يجعلهم يؤخرون إنجاز فروضهم والتي تصبح متراكمة فلا يستطيعون التحكم في تدبير زمنهم الدراسي. وإذا كان هذا يفسر ضعف انخراطهم في تمدرسهم فإنه مؤشر كذلك على عدم وجود من يساندهم في تدبير وتيرة هذا التمدرس والتحكم في ميزانية وقته؛ حيث تضعف إن لم نقل تنعدم المراقبة الأسرية أو أنها لا تمارس بالشكل الذي يجعلهم مستفيدين منها في تمدرسهم متى وجدت. فالزمن الأسري لديهم يتميز بهامشية كل ما يمت بعلاقة للتمدرس إضافة إلى عدم تواتر الحياة الاجتماعية داخل الأسرة وبين أفرادها. فالطفل في هذه الوضعية لا يتوفر على مرجعيات ضابطة، فمثلا وقت نومه متروك لتقديره. ودون اتهام أولياء الأمور، فإن الأسرة قد تتبع تمدرس ابنها إلا أن سلوك ومواقف الوالدين غير متوافقة مع ما تنتظره المدرسة وما تشترطه العملية التعليمية. فخوف الطفل من الوالدين يدفعه إلى إخفاء نقطه السيئة ومثالب حياته الدراسية. وهو ما يجعلنا نقول بأن هذه الفئة تعيش المدرسة كفضاء لا كزمن وكذلك هو أمر الوقت الحر الذي يفسر بالخروج من المنزل، كما أن هؤلاء الأطفال يعتبرون أن النقط الجيدة ليست بالضرورة نتيجة مجهود التلميذ وحده ولكنها أساسا تعود إلى المدرس الذي يعرف كيف يشجع تلامذته ومن ثم فإنهم لا ينزعجون من النقط السيئة، فيعيشون علاقة التمدرس كعلاقة عاطفية (يقول أحد التلاميذ: "إذا أحبك الأستاذ، ستكون مجتهدا؛ والويل لك إذا وضعك نصب عينيه!!".

على أن ما يميز الأسر الميسورة في تتبعها لأطفالها عن الأسر الشعبية هو أن الأولى ترى أن هذه العملية تتم في علاقة مع استقلالية الطفل بينما نجدها لدى الفئة الثانية تتم في إطار تكيف مع الواقع. فالمتفوقون يوظفون وقتهم الحر في إنجاز مهامهم الدراسية على عكس الآخرين الذين يبلورون علاقة تنافر مع المدرسة. إن هذه الفئة الأولى تجتهد في تمثل قيم المدرسة والاستجابة لمعاييرها؛ مما يمكن معه القول بأن الطفل خلال نموه يقيم علاقة مع الأزمنة الاجتماعية سواء المدرسي منها أو الموازي للمدرسة أو غير المدرسي. ومن ثم كلما كان تحرك المدرسة قويا كان انخراط الطفل في البنيات والأنشطة ذات الغاية التمدرسية ممكنا. والعكس صحيح: أي كلما خف تأثير التنشئة المدرسية انخرط الطفل في أنشطة لاتمدرسية. في الحالة الأولى يمكننا الحديث عن غلبة "أخلاقيات العمل المدرسي" أما في الحالة الثانية فالغلبة "لأخلاقيات الترفيه". فالانخراط المدرسي يبنى عبر تضافر ثلاثة أطراف: الأسرة والمدرسة وجماعة الأقران، والتي تؤطر التنشئة وأنماط التآلف الاجتماعي. فالوقت الحر ليس في نهاية المطاف إلا نقطة التقاء عدد من التمثلات والممارسات والأنشطة الاجتماعية المركزية المبنينة من طرف الزمن الأسري والزمن المدرسي وزمن الأصدقاء. وتعتبر بنينة الزمن العملية الأهم في سيرورة تحول شخصية الطفل.

4) أهمية التكامل بين المدرسة والمؤسسات التنشيئية المحيطة في جودة مخرجات التعليم: في الحاجة إلى الإصلاح :

من خلال التحليلات السابقة، يمكن القول بأن النجاح المدرسي أو الفشل عملية لا تتعلق بالطفل وحده فقط بقدر ما تهم أيضا التأطير الذي توفره له مختلف المؤسسات التنشيئية طوال حياته الدراسية. فوضعيات التعلم التي يعرفها الطفل خلال ظروف تنشئته الاجتماعية حتى تلك التي تتم خارج المدرسة قد تساعد في نجاحه المدرسي على اعتبار أن بعض هذه الوضعيات التعليمية تقوم على التكرار واحترام قواعد متعلقة بتنظيم وضعية التعلم وبوضعية التعلم نفسها وهو ما يفسح المجال أمام إنتاج خصائص مقننة والتي إذا ما تم استبطانها ستكون في خدمة التعلم المدرسي. كما هو الأمر في تعلم بعض الفنون كالموسيقى والرسم والرقص ... فبمجرد أن يتعرف الطفل على أشكال التعلم والوضعية التعليمية ويفقهها فإن ذلك سيعود عليه بالنفع في تدبير تمدرسه. وهذا ما يجعلنا ننادي بالتكامل بين المدرسة والمؤسسات التنشيئية الأخرى.

فالمدرسة ليست وحدها من يعلم لكن المشكل هو كيف نجعل من الوضعية التعليمية شيئا مشتركا بين كل المؤسسات لا بجعل كل الأنشطة خاضعة لتنظيم مدرسي قد يفقر الحياة السوسيوثقافية والتربوية للمجتمع كما فسر ذلك إيفان إيليش[xi]. فالأمر يختلف حتى في ممارسة الرياضة بين طفل يلعب مع رفاقه مقابلة في كرة القدم داخل الحي وبين طفل يذهب إلى النادي الرياضي ليتعلم ممارسة كرة القدم تحت إشراف مدرب وحسب برنامج مضبوط. فالممارسة الأولى كما قلنا تغلب فيها "أخلاقيات الترفيه" أما الثانية فتنتظم حسب "أخلاقيات العمل المدرسي". فالأمر هنا يتعلق بالدعوة إلى تقوية "أخلاقيات العمل المدرسي" بالتقليص من الوقت الميت ضمن الوقت الحر وتحويله إلى وقت منتج لصالح الطفل ونجاحه في تمدرسه. غير أن هذه ليست دعوة إلى تحويل كل الوقت الحر لدى الطفل إلى وقت منتج وإنما إلى مساعدة على خلق تمفصل بينهما بشكل يفيده في النجاح في حياته الدراسية ومحاربة التسرب الدراسي. ونعتقد أن أي سياسة تربوية عقلانية لا يمكن أن تقدم حلولا ناجعة إذا لم تأخذ بعين الاعتبار تعددية السلالم الزمنية. فالعلاقة بالمدرسة والأنشطة الترويحية والوقت الحر قد تعرض الطفل إلى خطر الفصل بين متطلبات النجاح المدرسي من أجل نجاح اجتماعي والبحث عن تفتح شخصي بفضل الاستقلال والمشاركة الفعلية في تآلفات طفلية[xii]. من هنا فإن التكامل المنشود هو منح الطفل فرصة تجعله قادرا على توقع الوقت وتقديره واعتباره مفتوحا على العفوية.

فغالبا ما تلقن المدرسة الطفل حِكَما من قبيل "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" أو "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد"؛ غير أنها لا تعلّمه كيفية تحويل هذه الحِكَم إلى سلوكات تساعده على التغلب على المشكلات التي تعيق تمدرسه. في حين أن الأمر بسيط حسب الطرح الذي بسطناه في ورقتنا هذه، إنه لا يعدو أن نساعد الطفل على الموافقة والتلاؤم بين الوتيرة المدرسية والوتيرة الاجتماعية الخاصة به. بمعنى آخر اختياره للأنشطة التي تقترحها البنيات والمؤسسات الترويحية والتي يمكنها أن تستجيب في نفس الوقت لحاجياته الشخصية كطفل وللمقتضيات الاجتماعية للمدرسة.

فالطفل كتلميذ لا يجب أن يعيش النجاح والتفوق كواجب يجعل منه مُنتوجاً مدرسيا ولكن ككائن اجتماعي يمتلك ثقافة قادرة على أن تجعل منه مواطنا كامل المواطنة، يشكل النجاح بالنسبة له مدخلا لبناء مشروع حياة يدمجه في مجتمعه.

من هنا نرى أن مدرسة منفتحة على باقي المؤسسات التنشيئية (أندية الطفل على سبيل المثال لا الحصر) وفي توافق معها ومندمجة في النسيج المجتمعي لا يمكنها أن تكون إلا بإعمال حقوق الطفل وملاءمة زمن التمدرس مع الوقت الحر والأزمنة الاجتماعية الأخرى.

5) دروس التجربة وكيفية تعميمها والاستلهام منها[xiii] :

يمكن تلخيص هذه التجربة الرائدة ضمن الورقة التقنية التالية، والتي نقترحها كطريقة عمل إرشادية قابلة للاستثمار و/أو الاستلهام من طرف المنشطين السوسيوثقافيين وأطر المجتمع المدني العاملين في ميدان الطفولة في وضع مشاريع في نفس المجال. غير أنه لا بد من إجراء دراسة للوسط لمعرفة الحاجيات والانتظارات والمؤسسات التنشيئية الموجودة سواء الفاعلة أو تلك المحتاجة إلى تفعيل قصد إدراجها ضمن المقاربة التشاركية لتأسيس النادي. ولإطلاق التجربة، لابد من إخراجها من خلال ورشات عمل تأسيسية للنادي يحضرها كافة الأطراف (الأطفال، أولياء أمورهم، ممثلو المؤسسات التنشيئية: المدرسة، دار الشباب، الخ.) وبعد ذلك يتم تدبير البرامج وفق خطة عمل تقوم على عقد شراكات مع فاعلين اجتماعيين وإداريين واقتصاديين ومدنيين من القطاعين العمومي أو الخاص في محيط النادي سواء كشركاء في تكليفهم بأنشطة تهمهم لفائدة الأطفال أو كمحتضنين لبعضها.

البطاقة التقنية لمؤسسة نادي الطفل

1. تعريف المؤسسة ونظامها (يمكن اقتراح اسم نادي الطفل أو اسم آخر يلائم البيئة الاجتماعية التي يتم فيها الاشتغال):

- المؤسسة لا تعمل فقط وفق الميثاق العالمي لحقوق الطفل الذي صادقت عليه دولة المجتمع المعني بالتجربة بل وتعمل أيضا على إعمال هذه الحقوق في تدبير العلاقة داخل النادي بين الأطفال المستفيدين من جهة وفي علاقتهم كذلك مع الإدارة من جهة أخرى. كما أن على هذه المؤسسة التي تعمل عن طريق الاشتغال مع الأسر على تنظيم أنشطة إشعاعية لتوعية المحيط الاجتماعي والاقتصادي وتحسيسه بأهمية حقوق الطفل وإعمالها.

- لا بد من تحديد خصائص الفئة المستهدفة من بين الأطفال بشكل يجعلنا قادرين على تحقيق الأهداف التي تعمل المؤسسة من أجلها (في هذه التجربة التي تم استعراضها كان الاشتغال مع فئة الأطفال المتمدرسين [التعليم الأساسي] في وضعية اجتماعية صعبة للحد من التسرب المدرسي ومساعدة الأطفال في إتمام مشوار تعليمهم).

- تعمل المؤسسة كحلقة وصل بين المدرسة والأسرة أساسا؛ وذلك من خلال إنابة طوعية من طرف آباء وأولياء الأطفال المنخرطين فيها وبتعاقد مع المؤسسة التعليمية أو المؤسسات التعليمية التي يدرس بها الأطفال. فتقوم بمساعدة المدرسة في توعية الأسرة بدورها في إنجاح تمدرس الطفل ومساعدته في تعليمه سواء من خلال بناء علاقة سليمة مع الهيئة التربوية بالمدرسة (إدارة المؤسسة والمعلمين) أو من خلال توفير الظروف الملائمة للطفل بالبيت (التتبع، توفير المناخ الملائم لإنجاز الفروض والواجبات، الخ.).

- تتجلى مهام متابعة تمدرس الطفل في مساعدة الأسرة على تسجيل الطفل بالمدرسة وتكوين ملفه الدراسي، وتتبع دفتره المدرسي مع إخبار العائلة بالمستجدات وتأطيرها في القيام بواجباتها تجاه طفلها (انظر ما قبله) واتجاه المؤسسة التعليمية (إمضاء الوثائق المدرسية: أوراق الامتحانات، الإخباريات الواردة من المدرسة، العلاقة مع إدارة المدرسة والمعلمين، الخ.).

- تقوم أنشطة المؤسسة على استثمار الوقت الحر لدى الطفل في أنشطة تساعده على النجاح في تمدرسه، وكذلك على فهم وضبط وتنظيم العلاقة بين ميزانية وقته الدراسي والأسري والشخصي من خلال برنامج يؤهله لتولي تدبير حياته اليومية بشكل يجعله مستوعبا أن حقوقه مرتبطة بإنجازه للواجبات التي عليه القيام بها وذلك تحت إشراف المنشط.

- تنتظم حياة النادي اليومية وفق ميثاق حقوق الطفل الذي لا يجب الاكتفاء بتلقينه للطفل بطرق متنوعة من خلال ورشات المناقشة أو الألعاب ... بل أيضا من خلال تطبيقها في تنظيم وتدبير العلاقات بين الأطفال وبين إدارة النادي ...

2. أنشطة النادي:

تشكل عملية إنجاح التمدرس النشاط الرئيسي للنادي (على الأقل في التجربة التي استعرضناها)، وتأخذ أشكالا متعددة يحددها الطاقم التنشيطي والإداري للنادي بحسب حاجات الأطفال وانتظارات كل من المدرسة والأسرة وفي توافق مع المحيط الاجتماعي للنادي. ويمكن أن يتم وضع برنامج هذه الأنشطة بتعاون أو شراكة مع هيئات أو مؤسسات أخرى : الأسرة، دار الشباب، مراكز صحية، البلدية، القطاع الخاص ... على أن تكون بعيدة عن تحويل الأطفال إلى وسائل إشهارية أو عينات تجريبية لأهداف لا تحترم شخصية الأطفال وكينونة الاجتماعية والمواطنية والأهداف التي تعمل من أجلها هذه المؤسسة .

3. كيفية استقطاب الأطفال:

هناك طريقتان:

أ- إما أن يتم العمل في بداية الأمر مع إدارة المدرسة بحصر الأطفال ذوي الوضعية المدرسية الصعبة إلى جانب ذوي الوضعيات الاجتماعية الخاصة. وبعد التعرف عليهم من خلال ملئهم للاستمارات المعدّة لهذا الغرض، يتم استدعاء الآباء وأولياء الأطفال المستهدفين لتعريفهم بالعمل السوسيوتربوي الذي سيقوم به النادي لمصلحة أطفالهم، وذلك بالتعاون مع إدارة المدرسة، وفي هذه الحالة يكون عمل النادي متمركزا حول أطفال مدرسة أو مجموعة من المدارس بعينها، وفق طاقته الاستيعابية. ويتم أخذ تفويض من لدن أولياء الأمور لتتبع الطفل-التلميذ محدد ضمن الأهداف التي يعمل من أجلها النادي وبتعاقد مع المؤسسة المدرسية.

ب- كما يمكن، في بداية الأمر القيام بزيارة للحي المستهدف بناء على خصائص سوسيواقتصادية مستقاة من مصادر موثوقة (رسمية أو مدنية)، والقيام بتحسيس أولياء أمور الأطفال بأهمية إنجاح تمدرس هؤلاء وتعريفهم بما يرغب النادي في القيام به لصالح فلذات أكبادهم. وفي هذه الحالة يكون عمل النادي متمحورا حول النهوض بوضع الحي من خلال العمل مع ساكنيه من الأطفال خصوصا، وقد تكون مجموعة أحياء بحسب طاقته الاستيعابية والتأطيرية.

4. كيفية بناء أنشطة النادي:

يتمحور عمل النادي على التأطير البيداغوجي والتربوي للأطفال لمساعدتهم على النجاح في مشوارهم الدراسي. ولابد من اختيار طرائق تنشيط مبنية على بيداغوجية لا تعيد إنتاج العلاقات المدرسية (مثل مقاربة التعلم التعاوني، اعتماد البيداغوجية المؤسساتية، الخ.) إلى جانب اعتماد طرائق تدبيرية للنادي وللأنشطة تقوم على إعمال حقوق الطفل باعتبار الطفل شريكا وقطب الرحى في الحياة اليومية للنادي (تشكيل لجان الأشبال، محكمة الأطفال، الخ.). وتعطى الأولية للمراجعة والواجبات المدرسية وتأتي الأنشطة المساعدة على إنجاح عملية التمدرس (مثل المطالعة وغيرها من الأنشطة التي تقوم على التعلّم وفهم الوتيرة المدرسية) إلى جانب الأنشطة الترويحية الأخرى التي تساعده على التمكن من فهم تدبير وتائر الأزمنة الأخرى. ولا بد من أن يتم بناء الأنشطة ضمن منهجية تقوم على إعمال حقوق الطفل ...

الهوامش:

1. راجع عبد الفتاح الزين.- تجربة أندية الأطفال: أندية الأطفال، تقييم وتجربة. سلسلة الدراسات والأبحاث، نشر العصبة المغربية لحماية الطفولة (المملكة المغربية) بتعاون مع اليونسيف، 54 ص، نشر 2003. (التقرير منشور أيضا باللغة الفرنسية).

2. المرجع السابق، ص. 7.

3. عبد الفتاح الزين.- قضايا الوقت الحر والتنشيط السوسيوثقافي بالمغرب. منشورات قافلة الكتاب،1999، 158ص.

4. عبد الفتاح الزين .- "التحولات العالمية والممارسات الثقافية: المعرفة والرهانات". دراسة نشرت في ثلاث حلقات بشرفات (ملحق الثقافي لجريدة عمان) أعداد: 78 / 26 مايو و79 / 2 يونيو و80 / 9 يونيو سنة 2004.

5. P. Bourdieu .- “Haute culture et Haute couture”, In Question de sociologie. Ceres, Tunis, 1993.

6. من المفيد التذكير بأن الوقت ينقسم إلى وقت عمل ووقت لاعمل. ويتضمن هذا الأخير الأوقات المرتبطة بالأنشطة الاجتماعية والثقافية وغيرها. وقد تكون هذه الأنشطة مرتبطة بإكراهات ما إما باعتبارها فروضا اجتماعية كعيادة مريض أو تزاور طقوسي ... كما أنها قد تكون جزءا من الوقت الحر متى كانت غير مرتبطة بإكراهات ما وأن ممارستها نتيجة اختيار شخصي حر.

7. تنص البطاقة التقنية لنادي الطفل التابع للعصبة المغربية لحماية الطفولة على الأهداف التالية:

8. مساعدة الطفل في تنظيم وقته الثالث والاستفادة منه،

9. وقايته من الجنوح وأخطار الشارع،

10. تنمية قدراته الفكرية والإبداعية في المجال الثقافي والفني،

11. تحسيس الطفل وأسرته بأهمية التربية والأنشطة الثقافية والاجتماعية التربوية بصفة عامة في بناء صرح مجتمع سليم في مختلف المجالات الصحية والبيئية والرياضية وغيرها.

12. راجع المرجع المذكور بالهامش رقم 2 أعلاه.

13. وقد تم اعتماده في سنة 1999 حيث حدد جدولة لتعميم التعليم وفق المادة 28: "ابتداء من الدخول المدرسي في سبتمبر 2002 ينبغي أن يجد كل طفل مغربي بالغ من العمر ست سنوات، مقعدا في السنة الأولى من المدرسة الابتدائية القريبة من مركز إقامة أسرته، مع مراعاة تكييف المدرسة مع الظروف الخاصة ...".

14. انظر دراسة د. عبد السلام فراعي .- "توجهات البحث والمناهج المستعملة في التربية بالمغرب". صفحات 41-57 ضمن المؤلّف الجماعي العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب: طروحات ومقاربات (تحت إشراف عبد الفتاح الزين). نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي بتعاون مع مؤسسة كونراد آديناور، الرباط، 1998 ، في مجلدين (عربي وفرنسي).

15. Ivan Illitch .- Une société sans école. Coll. Point, Ed. le Seuil, Paris,1971

16. نستعمل طِفْلِيَّة نسبة إلى الطفل على عكس طفولية لما لهذه الأخيرة من حمولة قدحية.

17. نحن على استعداد لتقديم خدمات تأطيرية لكل راغب بمجرد اتصاله على العنوان الإلكتروني المذكور أعلاه، بل ونقترح على المعهد عقد ورشة تكوينية لفائدة المنشطين السوسيوثقافيين.

هذه بصورة مقتضبة الخطوط الكبرى لتعميم هذه التجربة. مع الإشارة إلى ضرورة القيام بتنظيم هذه الأندية ضمن شبكة تجعلها تستفيد من نجاحات بعضها وتأخذ العبر والدروس من التجاريب الفاشلة إن وُجِدت.

1. نستعمل مفهوم الطفل بالمعنى الذي توظفه بنود الميثاق العالمي لحقوق الطفل (من الميلاد إلى بلوغ 18 سنة)، بالإضافة إلى أن هذا المفهوم والمصطلحات المتفرعة عنه يغطي الذكور والإناث معا.

2. تأسست هذه المجموعة في إطار اتفاقية بين المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط واليونسيف (مكتب المغرب) لتكوين وتحسيس طلبة المدرسة بحقوق الطفل في المجال المعماري وللدفاع عن حقوق الطفل في الأوساط الحضرية بل واعتباره معيارا في صياغة التخطيطات الحضرية. وقد كان اسمها الأول هو "مجموعة الدراسات والأبحاث حول الطفل والمدينة" وتم استبدال المدينة بفضاءات الحياة ليشمل عمل المجموعة المجال القروي والبادية عموما.

3. راجع عبد الفتاح الزين.- تجربة أندية الأطفال: أندية الأطفال، تقييم وتجربة. سلسلة الدراسات والأبحاث، نشر العصبة المغربية لحماية الطفولة (المملكة المغربية) بتعاون مع اليونسيف، 54 ص، نشر 2003. (التقرير منشور أيضا باللغة الفرنسية).

4. المرجع السابق، ص. 7.

5. عبد الفتاح الزين.- قضايا الوقت الحر والتنشيط السوسيوثقافي بالمغرب. منشورات قافلة الكتاب،1999، 158ص.

6. عبد الفتاح الزين .- "التحولات العالمية والممارسات الثقافية: المعرفة والرهانات". دراسة نشرت في ثلاث حلقات بشرفات (ملحق الثقافي لجريدة عمان) أعداد: 78 / 26 مايو و79 / 2 يونيو و80 / 9 يونيو سنة 2004.

7. P. Bourdieu .- “Haute culture et Haute couture”, In Question de sociologie. Ceres, Tunis, 1993.

8. من المفيد التذكير بأن الوقت ينقسم إلى وقت عمل ووقت لاعمل. ويتضمن هذا الأخير الأوقات المرتبطة بالأنشطة الاجتماعية والثقافية وغيرها. وقد تكون هذه الأنشطة مرتبطة بإكراهات ما إما باعتبارها فروضا اجتماعية كعيادة مريض أو تزاور طقوسي ... كما أنها قد تكون جزءا من الوقت الحر متى كانت غير مرتبطة بإكراهات ما وأن ممارستها نتيجة اختيار شخصي حر.

9. تنص البطاقة التقنية لنادي الطفل التابع للعصبة المغربية لحماية الطفولة على الأهداف التالية:

10. مساعدة الطفل في تنظيم وقته الثالث والاستفادة منه،

11. وقايته من الجنوح وأخطار الشارع،

12. تنمية قدراته الفكرية والإبداعية في المجال الثقافي والفني،

13. تحسيس الطفل وأسرته بأهمية التربية والأنشطة الثقافية والاجتماعية التربوية بصفة عامة في بناء صرح مجتمع سليم في مختلف المجالات الصحية والبيئية والرياضية وغيرها.

14. راجع المرجع المذكور بالهامش رقم 2 أعلاه.

15. وقد تم اعتماده في سنة 1999 حيث حدد جدولة لتعميم التعليم وفق المادة 28: "ابتداء من الدخول المدرسي في سبتمبر 2002 ينبغي أن يجد كل طفل مغربي بالغ من العمر ست سنوات، مقعدا في السنة الأولى من المدرسة الابتدائية القريبة من مركز إقامة أسرته، مع مراعاة تكييف المدرسة مع الظروف الخاصة ...".

16. انظر دراسة د. عبد السلام فراعي .- "توجهات البحث والمناهج المستعملة في التربية بالمغرب". صفحات 41-57 ضمن المؤلّف الجماعي العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب: طروحات ومقاربات (تحت إشراف عبد الفتاح الزين). نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي بتعاون مع مؤسسة كونراد آديناور، الرباط، 1998 ، في مجلدين (عربي وفرنسي).

17. Ivan Illitch .- Une société sans école. Coll. Point, Ed. le Seuil, Paris,1971

18. نستعمل طِفْلِيَّة نسبة إلى الطفل على عكس طفولية لما لهذه الأخيرة من حمولة قدحية.

19. نحن على استعداد لتقديم خدمات تأطيرية لكل راغب بمجرد اتصاله على العنوان الإلكتروني المذكور أعلاه، بل ونقترح على المعهد عقد ورشة تكوينية لفائدة المنشطين السوسيوثقافيين.

من �C � � � ��� �� أمريكية في السطو على السوق العالمية ومحاولة قطع الطريق على كل هيمنة اقتصادية ثنائية كانت أو إقليمية. وهكذا يتبين أن أمريكا تسعى من وراء هذه الاتفاقية مع المغرب إلى خلق أمر واقع اقتصادي دولي تهيمن على منظومته القانونية عبر تعميم النموذج الأمريكي في المنطقة العربية وتعزيز موقعها في المغرب العربي الكبير والمنطقة المتوسطية.
إن هذه الاتفاقية في واقع الأمر ما هي إلاّ آلية أمريكية لفرض المشروع الأمريكي في المنطقة. وقد اعتمدت واشنطن على فرضه بقوّة الاقتصاد وقوّة السلاح. باعتبار أن الهدف غير المعلن عنه هو محاصرة منابع الإرهاب في الإعتقاد الأمريكي، وذلك عبر تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع "تأهيل" العالم العربي والإسلامي حسب المقاس الأمريكي البحث.
وقد كشفت جملة من الوثائق والتصريحات الأمريكية أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى عبر الإتفاقية إلى دعم الزيادة التجارية الأمريكية ورفع فرص الدخول للأسواق بعد إلغاء الحواجز الجمركية أو غير الجمركية وتقوية وتطبيق القوانين الخاصة بحماية الملكية الفكرية وتحسين المناخ الإستثماري لصالح الشركات الأمريكية.

الأهداف من الجانب المغربي:
يقول المسؤولون المغاربة أن الاتفاقية تندرج في مسار شمولي اختارته الحكومة ـ نعم الحكومة ـ للإنفتاح على الإقتصاد العالمي. باعتبار أن هذه الاتفاقية ستجعل المغرب اكثر تفتحاً على العالم. ومن بين الأسباب الحقيقية للإنخراط في الاتفاقية، هي أن إنخراط المغرب في مسلسل الإنفتاح الإقتصادي ومنطق التبادل الحر لم يكن اختياراً مفكر فيه، وبالتالي أُكِدَّ بوضوح وعن بيّنة من الأمور، بل إنه، أكثر من هذا، لم يكن اختياراً إراديا، وإنّما كان مفروضاً فرضاً من الخارج وهذا أمر لا يمكن أن ينكره أحد مهما حاول ذلك.
وباعتبار أن الأمر كذلك، واعتباراً للموضوعية، لا بد من الإشارة إلى أنه كان هناك نوعاً من محاولة استباق التطورات المرتبطة بهذا الفرض من أجل محاولة تحقيق ربح سياسي واقتصادي للمغرب.
وحسب تصريحات الطيب الفاسي الفهري، فإن الاتفاقية من شأنها إدماج الإقتصاد المغربي في المنظومة الإقتصادية الدولية وتكييفه مع المسلسل الجاري للعولمة والدفع بمتابعة الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية وتحسين المناخ القانوني للمعاملات الاقتصادية وتأهيل المقاولة المغربية ودعم قدرتها التنافسية وجلب الاستثمارات الأجنبية وتكثيف التحولات التكنولوجية وجعل المغرب أرضية للإستثمارات والشركات الدولية الراغبة في ولوج السوق الأمريكي بشروط تفضيلية.

لكن ظل هناك أكثر من تساؤل:
ورغم كل ما قيل ظل هناك أكثر من تساؤل قائم. فهل المغرب قادر على مواكبة تحديات الاتفاقية؟ وما هي انعكاسات الاتفاقية على القطاع الفلاحي بالمغرب؟ وما هي الآثار المستقبلية الممكنة للتبادل الحر على ساكنة العالم القروي بالمغرب؟ وإلى ما سيؤول إليه الأمن الغذائي جُنِّدت له كل الموارد المائية والبشرية المغربية منذ بداية ستينات القرن الماضي كاختيار استراتيجي، هل كل هذا سقط في الماء؟

الإنعكاسات:
لا يمكن في هذه العجالة التي يقتضيها هذا الكراس التطرق إلى كل إنعكاسات هذه الاتفاقية على المغرب آنياً ومستقبلاً. ولكن يمكن الإقتصار على بعض الإشارات الدالة. فأوّل مشكل سيصادف المنتوجات الفلاحية المغربية الموجهة إلى أمريكا، مشكل إلى الحد الأدنى لبقايا المبيدات في المنتوجات المصدرة. علماً أن الإمكانيات والتقنيات المتوفرة والمعتمدة بالمغرب حالياً في أغلب الإستغلاليات لا تمكن من احترام هذا الشرط ومعايير الجودة المعمول بأمريكا، وهذه إشارة أولى.
والإشارة الثانية هي أنّ بالنسبة لفرخ الدجاج، هناك عدم تكافؤ التنافسية. وذلك باعتبار أن كلفة المنتوج المغربي تتحدد بين 9 و10 دراهم للكيلوغرام الواحد، في حين أن المنتوج الأمريكي، والأكثر جودة، لا تتعدى كلفته 5 دراهم للكيلوغرام الواحد.
وبخصوص الإشارة الثالثة، فإنه بالنسبة للقمح الطري، يبدو أن أهم إنعكاس هو تكريس التبعية الغذائية للخارج، بل والمزيد من تعميق هذه التبعية نظراً لمحدودية التنافسية التي يتمتع بها القمح المغربي وضئالة دعمه مقارنة مع نظيره الأمريكي. علماً أن حاجيات المغرب من هذه المادة تفوق 8 ملايين طن سنياً. ومن المنتظر، وهذا أمر واضح من الآن، أن يعرف قطاع القمح إشكالات كبيرة جدّاً مع حلول سنة 2015 عند الإنفتاح الكامل. ومن شأن هذا الإشكالات التأثير بشكل أو بآخر على الإستقرار الإجتماعي بالبادية المغربية. ولعل تجربة المكسيك في هذا الصدد لازالت عالقة بالأذهان حيث تم القضاء على جلّ الفلاحين المتوسطين، فما أدراك بالفلاحين الصغار الذين يشكلون السواد الأعظم بالعالم القروي بالمغرب.
وكل هذه الإشارات همّت القطاع الفلاحي والعالم القروي. أما بخصوص قطاع النسيج بالمغرب، فإنه عرف عدّة مشاكل حادّة والتي لازالت مؤهلة للمزيد من الحدة أكثر، وذلك بفعل منافسة الصين في السوق الأوروبية. وهذا مَا تُرْجِِمَ على أرض الواقع عبر إقفال جملة من الوحدات الإنتاجية. في حين أنه لا يمكن إنتظار الكثير من أمريكا في هذا المجال.
فإذا كانت أمريكا تستورد ما يناهز 63 مليار دولار بخصوص النسيج، فإن نصيب المغرب لا يتعدى 0,1 %. وهذا دون الحديث عن إمكانية إستثمار الأمريكيين بالمغرب في هذا القطاع، وبذلك سيؤثرون سلباً حتى على السوق المغربية بفعل المنافسة. وآنذاك لن ينفع مبدأ الحصص (كوطا) الذي دافع عليه مهنيي النسيج.
أما بخصوص قطاع الصحة، فالإنعكاسات ستكون أدهى وأمر. فَمِن المعروف أن أكثر من 85 % من المغاربة لا يتوفرون على التغطية الصحية ومحرومون منها، وأن متوسط وصفة علاجية يتطلب أكثر من ثلاث أيام عمل اعتباراً للحد الأدنى للأجور المطبق (علماً أن هذا الحد على قلّته غير معمم ويظل حبراً على ورق بالنسبة لعدد كبير جداً من الشغيلة المغربية)، أما الفحص المتخصص (الطبيب الإختصاصي) فقد يتطلب أكثر من أجر أسبوع. علماً أن 93 % من الأدوية بالمغرب تستهلك من طرف الفئة الغنية. كما أنّه من المعروف أن أكثر من 80 % من الأدوية المروجة بالمغرب هي أدوية مستنسخة، وهذه أمور كلّها تبيّن أن إنعكاسات الإتفاقية ستكون وخيمة على جل المغاربة في الميدان الصحي، بفعل الصعوبات الجامة للتوصل إلى الحق في العلاج. وللإشارة فقط فإن تبادلها الحر مع أمريكا، لعلمها المسبق لانعكاساتها، أما بالمغرب، فيبدو أن الأمر لم ينل أي اهتمام.
وبخصوص الأدوية، فإنّه أضحى من المعروف أن الإستغلال الفردي للدواء بالمغرب لا يتجاوز 200 درهم (20 دولار) في السنة على الرغم من أن المغرب يصنع 80 % من حاجياته من الأدوية، من ضمنها 30 % مستنسخة، وتقضي الاتفاقية بحماية براءة الإختراع لمدّة 20 سنة زائد 5 سنوات متعلقة بالبيانات غير المفصح عنها. وهذه مدّة طويلة من شأنها أن تجعل، وبسهولة، أن يصبح الدواء متجاوزاً، وبالتالي فلن ينخفض ثمنه. فهل المواطن المغربي في نفس مستوى المواطن الأمريكي حتى تنطبق عليهما نفس القوانين والقواعد والإجراءات؟ وقد اعتبر البعض هذه القضية بمثابة نكثة القرن.
أما فيما يخص حقوق الملكية الملكية الفكرية، لاسيما استعمال برامج الحاسوب والبرمجيات عموماً، فَحسَبَ مقتضيات الاتفاقية، جميع أنواع الإبداع الفكري هي قابلة للحماية.
ولعلّ أكبر مشكل في هذا الصدد يتعلق ببرامج الحاسوب والبرمجيات اعتباراً لهشاشة الإقتصاد المغربي.
فرواد شبكة الأنترنيت لا يتعدى عددهم 500 ألف منخرط، أي ما يعادل 2 % من الساكنة. ومن بين العوائق التي تظل قائمة في وجه إستعمال الحاسوب الأسعار المبالغ فيها لبرامجه والبرمجيات اعتباراً لاحتكارها من طرف شركة ميكروسوف الأمريكية (90 % من برامج الحاسوب المتداولة في العالم). وهذا ما يجعل أن ما يناهز 80 % من برامج الحاسوب المتداولة بالمغرب لا قدرة لها إطلاقاً على اقتناء البرامج الأصلية. فهل والحالة هاته، ومع تطبيق الإتفاقية ماذا سيكون مصير هؤلاء؟ وهل فعلاً سيتم بلوغ ثلاثة ملايين من المنخرطين في شبكة الأنترنيت سنة 2005 كما تم الإعلان عن ذلك؟ أم أن العكس هو الذي سيحصل مع تطبيق مقتضيات الإتفاقية، لربما سنخفض عددهم الحالي والذي لا يمثل إلا 2 % من الساكنة؟
وهل تطبيق مقتضيات الاتفاقية سيسمح فعلاً ببلورة الجامعة الإفتراضية (université virtuelle) التي بدأ التحضير لها بالمغرب؟ وهل مقاهي الأنترنيت ستظل مفتوحة في وجه العموم، وهل ستظل أثمنتها هي هي؟
كما أن إلتقاط القنوات الفضائية لن يعود ممكناً إلا بعد أداء الإشتراك، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة كذلك إلى أن المحاكم التجارية أصدرت خلال سنة 2004، أحكام لفائدة ميكروسوفت ضد شركات مغربية والتي أفلست نظراً لعجزها عن أداء التعويضات المحكوم عليها بها.
وكل هذه المؤشرات تؤكد أن تطبيق مقتضيات الاتفاقية ستحرم فئات عريضة من المغاربة من الإستفاذة من تكنولوجيا المعلوميات والحكم عليهم بالمزيد من الأمية في هذا المجال.
ومنذ مدة اتضحت للجميع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت على الاتفاقية، علماً أن البلاد حسب البعض لا تتوفر على شروط ربح كل التحديات، وأن هذه الاتفاقية سترهن مستقبل البلاد لعقود.

ولا يخفى على أحد أن أوروبا وضعت المغرب أمام الاختيار، وبذلك تقرر التوجه نحو دول أوروبا الشرقية والإستغناء عن الجنوب في المبادلات التجارية. فهل فعلا سيعوض المغرب ما خسره مع أوروبا؟ هذا ما يشك فيه الكثيرون باعتبار أن الأمريكيين فكان منطقهم هو التجارة والمساعدة. وعلى جملة من المستويات ومضمنها المستوى السياسي يرى كثيرون أن المغرب مازال غير قادر على الإندماج في نسق العولمة الكوني بالشكل الذي يجعله يستفيذ منه آنياً واستراتيجياً. وبالتالي فإنّه سيتعرض اقتصادياً لأضرار أكيدة بسبب ضعف الإقتصاد وعدم تأهيله للدخول في المنافسة الإقتصادية مما سينعكس سلباً على الإستقرار سياسياً وديمقراطياً. لاسيما وأن عملية التأهيل الإقتصادي تتطلب استثماراً قوّياً وتغييرات جوهرية في مختلف السياسات المتبعة. وبالتالي من الممكن حدوث خلل أخلاقي واقتصادي واجتماعي وسياسي. فبعد عقود من الإتكالية والتقوقع على الذات وسيطرة المقاولة العائلية وممارسة التملص الضريبي أضحى القطاع الخاص المغربي، من عشية لضحاها، ملزماً بمسايرة ركب العولمة.
وإذا كان المجتمع الأمريكي يقوم بالأساس على التحرر الإقتصادي والإقرار بنظام ديمقراطي ووجود جهاز قضائي قوّي وفعّال. فإن المغرب لازال يعيش معوقات في كل هذه المجالات. إذ أنّه لازال في بداية البدايات بخصوص تأهيل الاقتصاد الوطني وإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية وتفعيل جهاز العدالة وإعمال المفهوم الجديد السلطة وتحقيق انتقال ديمقراطي فعلي فاعل وفعّال.

القطاع الفلاحي:
لقد تبنت الاتفاقية بخصوص القطاع الفلاحي نظام اللائحة وفق جدول زمني ونظام الكوطا لتطبيق الإعفاءات الجمركية. فاللائحة "أ" معفية من الرسوم واللائحة "ب" ستعفى بعد 5 سنوات واللائحة "س" بعد 10 سنوات واللائحة "د" بعد أكثر من 10 سنوات.
فالخضر والطماطم والكلمنتين والزيتون وزيت الزيتون والفستق، كلها ستلج المغرب بدون رسوم. أما الذرة والصوجا والجوز والعنب والإجاص فستعفى بعد 5 سنوات. وبخصوص القمح والقطاني واللحوم الحمراء والبيضاء فَسَيُبَرْمَج تحريرها خلال فترة انتقالية تفوق 10 سنوات. أما بالنسبة للقمح الطري فقد تم تحديد حد أدنى، 400 ألف طن، وحد أقصى، مليون طن، خلال عشر سنوات. هذه بعض الأمثلة.
ولا يخفى على أحد أن الفلاحة والأمن الغذائي شكلا اختياراً استراتيجيا لتحقيق الإكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الأساسية (السكر، الحبوب، الزيوت، اللحوم الحليب ومشتقاته) وكذلك لتأهيل البلاد لتصدير منتوجات فلاحية صناعية (الحوامض، البواكر...) لكن هذا الإختيار الإستراتيجي عرف صفعة صاعقة بفعل سياسة التقويم في القطاع الفلاحي. وبذلك منذ ثمانينات القرن الماضي أصبح المغرب يلتجىء للسوق العالمية لإقتناء مواد غذائية أساسية بفعل الجودة وقلّة الكلفة والثمن. الشيىء الذي دفع جملة من الفلاحين إلى التخلي عن إنتاج تلك المواد. وهذا ما خلق إختلالاً هيكلياً في الاستراتيجية المعتمدة.

الإشكالية الثقافية:
في عصر العولمة والوتيرة المتسارعة للتبادلات التجارية التي تضع الدول في موضع اللاتكافؤ. إن التعددية الثقافية أضحى حقاً أساسياً من حقوق الإنسانية يتعين على الدول الحفاظ عليه أكثر من أي وقت مضى. وهذا ما لا يتحمس إليه الأمريكيون اعتباراً لرغبتهم في الهيمنة على القطاعات الثقافية والفنية.
فأمريكا تعتبر الخدمات الثقافية كسلعة تحتل المرتبة الأولى في صادراتها. مما يجعلها لأسواق واسعة. ولن يتأتى لها هذا إلا بمحاربة السياسات الثقافية المحلية التي تقف عائقاً أمامها.
علماً أن الإتفاقية العامة حةل التجارة والخدمات (1999) تعطي الحق للدول لرفض الالتزام في المجال الثقافي وخاصة المجال السمعي البصري، باعتبار أن الدول تتولى أمر سياساتها الثقافية.
إن هدف أمريكا بالأساس في هذا المجال هو فرض ثقافة السوق الكونية المبنية على عولمة الاقتصاد. وذلك من خلال دعم أساليب وقيم جديدة لتطوير الإنتاج وتوسيع الاستهلاك من خلال التبادل الحر وأنماط العيش وسلوك المجتمعات. ووسيلتها في هذا هو إضعاف التعليم المحلي والخصوصية الثقافية عبر تحويل الثقافات من ثقافات متنوعة إلى ثقافة نمطية ترتكز بالأساس على المفاهيم الاقتصادية والتجارية محكومة بقانون العرض والطلب.
تنتج حسب العرض والطلب مع الحرص على الابتعاد عن الخصوصيات المحلية والدينية.

معوقات تأهيل الاقتصاد:
مازالت تبرزجملة من المعوقات الذاتية والموضوعية وعلى راسها هيمنة الاقتصاد الريعي على النسيج الاقتصادي الوطني. فالمهيمن على هذا النسيج هي المقاولة العائلية، وهي ذات المقاولة التي ترفض الانفتاح كما ترفض استقطاب الأطر المغربية المتخصصة وتعمل جاهدة للتملص من أداء الضرائب وضمان الاستقرار لعمالها.
وهذا علاوة على أن الاقتصاد المغربي يتشكل مما يزيد على 90 % من المقاولات الصغرى والمتوسطة الغائب من اعتبارها عنصر التنافسية.
ومن المعوقات كذلك الإدارة المغربية التي مازالت تعتريها من الإختلالات والمقومات البنيوية لاسيما شدّة البيروقراطية المُتَلَكِّئة وغياب الشفافية والإرتكاز على الزبونية والمحسوبية.
وهناك كذلك جهاز للعدالة، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة قوّية ونزيهة في غياب مجتمع ديمقراطي. مثلما من الصعب بمكان الحديث عن انتقال ديمقراطي هادىء في ظل غياب عدالة فعّالة وفاعلة. فلا مجال للحديث عن حقوق الإنسان إلا إذا كانت محصنة من قبل جهاز عدالة مستقل وفاعل. لأن القضاء في عصرنا الحالي أصبح مؤسسة سياسية بالمعنى الواسع لنعث "السياسة" مادام عليه أن يقوم بوظيفة حفظ الاستقرار والسلم الاجتماعي في إطار مبادىء دولة الحق والقانون.

ردود الفعل:
تباينت ردود الفعل بين التهليل والدفاع والمناهضة. وفي واقع الأمر، إن المرتكز المستتِر، والذي ينطلق منه المدافعون على الاتفاقية، ليست الانعكاسات الايجابية المفترضة والمزعومة، وإنما هي الفكرة القائلة بوجوب قبول الإصلاحات المفروضة من الخارج. باعتبار أنها فرصة للإنخراط في المنظومة العالمية. وهذا علماً أن مصيبة المغرب تكمن في كونه إنخرط في المنظومة الليبرالية دون محاولة تأسيس إقتصاد قوي قادر على المنافسة. إن المدافعون على الاتفاقية يعتبرونها فرصة سانحة لخلخلة الاحتكارات الاقتصادية العائلية بالمغرب ولفرض درجة من الشفافية تسمح بالمنافسة وتكافؤ الفرص في الحقل الاقتصادي المغربي.
أما المعارضون فيرون في الإتفاقية أنها ستكرر التجربة المكسيكية (ذات الثمن الباهض بالنسبة للإقتصاد الوطني المكسيكي). بحكم التفاوتات الإقتصادية الطيطانيكية بين المغرب وأمريكا في كل المجالات والميادين وعلى كافة المستويات.
ويثمن أصحاب هذا الرأي أن يربح المغرب على الأقل الإنخراط في إصلاحات جوهرية وعميقة لطالما نادت بها القوى الحيّة للمجتمع إلا أنها كانت تواجه بالقمع، أما عندما، نفس الإصلاحات فرضت من الخارج تم القبول بها.
وإذا كان المدافعون عن الاتفاقية يرتكزون بالأساس على النظرية القائلة بأن التجارة تجلب التنمية وأن الازدهار الاقتصادي يتم عبر استراتيجية التبادل الحر. فإن المعارضين لها يُقرون بأن الممارسة الفعلية على أرض الواقع أثبتت بما فيه كفاية وزيادة أن هذا التوجه يفترض أصلا الإعتماد على توسيع السوق الداخلية أوّلاً ثم رفع القدرة الشرائية للمواطنين ثانياً. وهذا ما يولد ارتفاع الطلب ويسهل الاندماج التنافسي في الأسواق العالمية بهدف كشف فضاءات أسواق جديدة. وهذا ليس هو حال المغرب حالياً بالتمام والكمال.
وفي هذا الصدد يعتبر نجيب أقصي، وهو باحث اقتصادي مرموق، أن الأساس في السياسة التنموية هو الإرتكاز والتركيز على السوق الداخلية وتنمية

القدرة الشرائية الداخلية وتنمية الطلب الداخلي قصد التأهل لإختراق أسواق خارجية وامتلاك مقومات التنافسية. لذا، في رأيه، أن الانفتاح وجب أن يتم بهياكل داخلية قوّية وليس متهلهلة. وفي نظره، إن إتفاق التبادل الحر مع أمريكا يُعتبر مخاطرة كبيرة جدّاً باعتبار أنّه لم يسبق لأي دولة أن تطورت عبر التبادل الحر. فلا مناص إذن من مرحلة حمائية تؤهل أوّلاً الاقتصاد المحلي وهذا ما لم يعرفه المغرب فِعلاً وفعلياً، ولم يحصل أصلاً رغم كل الامتيازات التي وفرتها الدولة من قبل وبالرغم من الأموال المقتطعة من الشعب لتمويل هذه الامتيازات.
وبالرجوع إلى جملة من التصريحات نجد أن جملة من منظمات المجتمع المدني، من ضمنها الإئتلاف المغربي من أجل الحق في العلاج والجمعية المغربية لمحاربة السيدا والإئتلاف المغربي من أجل التعددية الثقافية والإتحاد العام لمقاولات المغرب وغيرها، عبّرت عن استغرابها للسرعة المفرطة التي بها إبرام الاتفاقية وعن عدم إشراك كل من يهمهم الأمر، الإستعداد لها.
فأغلب منظمات وجمعيات وفعاليات المجتمع المدني بالمغرب نادت وطالبت بحدّة بالتريث والتأني في اتخاذ القرار النهائي بخصوص هذه الاتفاقية، كما فعلت مختلف الدول التي انخرطت في هذا المسار (الشيلي 14 جولة تفاوضية عوض 8 المقررة، فنزويلا فضلت تأجيل المفاوضات إلى 2005)، لكن "لمَّنْ تا تعاود زابورك يادود" (2) وذلك رغم أنه ظهرت بجلاء جملة من المشاكل العويصة. فهل المغرب مازال لم يقتنع بعد بضرورة الأخذ بعين الاعتبار المدني والرأي العام، كما هي القاعدة البديهية في مختلف البلدان التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها؟
علماً أن الأمريكيين، رغم أنّهم في موقع قوّة ويمكنهم الغرض، فإنهم أعدوا واستعدوا لكل شيء، حتى لدقائق الأمور الخاصة بإجراء المفاوضات, في حين لم يكن يتوفر المغرب إلاّ على افكار عامّة، الشيىء الذي فُرِضَ عليه في آخر لحظة أداء ما يناهز 500 ألف دولار (5 ملايين من الدراهم) لشركة لوبيات أمريكية وآليات التعامل مع السوق الأمريكية. بل أكثر من هذا وذاك، فإن بعض الاحتجاجات على إبرام الاتفاقية ووُجِهَت بالقمع من طرف الحكومة، وهذا أمر لا يمكن أن يتقبله عقل سليم.

على سبيل خلاصة أولية:
كمؤشر لاستخلاص الدرس يمكن القول أن الشق الفلاحي في الاتفاقية كان أقل بكثير مما طرحته واقترحته أمريكا على استراليا ورغم ذلك رفضت هذه الاخيرة علماً أن فلاحتها أكثر تأهيلاً من الفلاحة المغربية. وهذا مجرد إشارة ليس إلا.
وخلاصة القول أنه في واقع الأمر، مقتضيات الاتفاقية تهم جميع الفئات والشرائح المجتمعية من منتخبين ومستهلكين ومستثمرين ومثقفين وطبقة عاملة وفلاحين وليست مقصورة على الحكومة مهما كان تفوقها التقنوقراطي، فماذا عرف هؤلاء عن الاتفاقية؟ وهل منحت لهم الفرصة لاعطاء رأيهم فيها علماً أن الأمر يتعلق بتقرير مصير الاقتصاد الوطني وأجيال المغرب القادمة؟ وعلى الأقل أليس من حقهم التعرف على ماذا ينتظرهم مادام لم يتم توفير لهم إمكانية المشاركة في إعداد التفاوض بصدد الاتفاقية التي ستفرض عليها كما فعل الأمريكيين عندهم؟

إدريس ولد القابلة
(1) مثل شعبي مغربي معناه التقريبي " من أخطأ الحساب فليتحمل مسؤوليته
(2) مثل متداول معناه ولا حياة لمَن تنادي.

د. عبد الفتاح الزين

المعهد الجامعي للبحث العلمي/ جامعة محمد الخامس السويسي – الرباط (المغرب)

رئيس مجموعة الدراسات والأبحاث حول الطفل وفضاءات الحياة

Réactions :

0 commentaires:

إرسال تعليق