الاثنين، 23 مايو، 2011

منظمات المجتمع المدني ومعضلة التحول الديمقراطي في العالم العربي

إشكاليات المصطلح والسياق

تتناول هذه الدراسة علاقة المجتمع العربي بالمسألة الديمقراطية، ودوره في عملية الإصلاح و إنجاز التحول الديمقراطي المنشود. وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى مسألتين هامتين يحملان في المنطقة العربية طابعا إشكاليا، ولهما صلة مباشرة بموضوع البحث ونتائجه.

تخص المسالة الأولى مفهوم المجتمع المدني وخصائصه. فالمصطلح لا يزال يعتبر جديدا في القاموس السياسي والاجتماع العربي. لهذا يستمر الاختلاف حول ضبط تعريف موحد له. ويستعمل المصطلح بصفة المفرد، حيث يجري الحديث في الغالب عن " المجتمع المدني العربي " مما يوحي بوجود قواسم مشتركة في جميع الدول العربية من شأنها أن تحيل إلى " جسم موحد " حتى لو تفاوتت قوة أعضائه وفعاليتهم. وفي المقابل يستعمل البعض صفة الجمع، فيتحدثون عن " مجتمعات مدنية عربية " إبرازا منهم للخصوصية وتأثيرها على بنية المنظمات المحلية وأدوارها.

رغم تعدد التعريفات، وتمازجها، فلا تزال محاولات تنزيل مصطلح " المجتمع المدني " على تضاريس التركيبة الاجتماعية والسياسية تصطدم أحيانا ببعض مكونات الواقع العربي، مما يترتب عنه تباين في الآراء حول تحديد موقع عدد من الهيئات أو الحركات الاجتماعية، هل تكون ضمن دائرة المجتمع المدني أم خارجه ؟. وهل هي من بين مقوماته وتعبيراته الصحية، أم أنها تشكل تهديدا له وخطرا عليه ؟. وقد تجلى ذلك بالخصوص في الموقف من الجمعيات الخيرية الإسلامية، أو " الحركات الاجتماعية " التي تعبر عن نفسها من خلال الخطاب الأيديولوجي لحركات الإسلام السياسي ؟.

أما المسالة الثانية، فتتعلق بمصطلح " التحول الديمقراطي "، الذي شاع استعماله في السنوات الأخيرة بالعالم العربي. وبما أن هذه المنطقة لم تشملها موجات الديمقراطية المتلاحقة في مختلف أصقاع العالم، فقد نشأ عن ذلك نقاش لم يحسم حول تحديد شروط أو معالم " التحول الديمقراطي ". ونظرا لما يتمتع به النظام السياسي العربي من قدرة على البقاء والاستمرارية، حيث لم يقع أي انتقال سلمي وديمقراطي في جميع الدول العربية، أصبح من المشروع طرح السؤال التالي: هل يجوز في ظل الواقع السياسي والاجتماعي الراهن الحديث عن " انتقال ديمقراطي " ؟. أما الإجابة عن هذا السؤال لا تزال غير موحدة ودقيقة.

مثال على ذلك، يوجد تباين في الآراء والمواقف داخل المغرب حول توصيف الحالة السياسية الراهنة. فالمؤكد أن النظام المغربي أقدم منذ نهاية عهد الملك الحسن الثاني على عدد من الإجراءات الإصلاحية الهامة، التي شملت جوانب من التشريع والمؤسسات، وسمحت بقدر ملموس من الحريات الفردية والعامة. مع ذلك، هناك من يتحدث عن بداية حدوث تحول ديمقراطية لا يزال في مرحلة جنينية. وفي المقابل هناك من القوى السياسية المحلية التي تعبر بأن الحالة الراهنة والتغيرات الهامة التي تمت خلال السنوات الماضية، تجيز القول بأن المغرب قد تجاوز مرحلة الاستبداد السياسي، لكنه لم يبلغ درجة الشروع في " التحول الديمقراطي ".

هاتان المسألتان ستبرزان في بعض مفاصل هذه الدراسة، دون الحسم فيهما بشكل واضح، نظرا لاختلاف زوايا النظر، وتعدد المقاربات الموجودة داخل منظمات المجتمع المدني العربي وخارجه.

2. دور المجتمع المدني في دفع مبادرات إرساء الديمقراطية في المنطقة

يلاحظ عند المقارنة بين مرحلتي ما قبل الاستقلال الوطني وما بعده، أن تركيز أسس الدولة الوطنية لم يحم المجتمعات المدنية العربية، ويعطيها فرصة للنمو والتطور. على العكس من ذلك، تعرضت هذه المجتمعات خلال الخمسين سنة الماضية إلى المحاصرة وسياسات الاحتواء والإخضاع من قبل أنظمة الحكم المتوالية، بقطع النظر عن اتجاهاتها السياسية وأطروحاتها الأيديولوجية المتباينة. وبدل أن يكون المجتمع المدني شريكا في التنمية وصناعة القرار، تحول في إطار النظام السياسي العربي السائد إلى خادم للدولة، وداعم للاستبداد، ومنتج للكوادر التي يتعامل معها كما يتعامل مع قطع الغيار، تلجأ إليها الحكومات والأحزاب الحاكمة عند الضرورات أو لاستكمال عناصر الديكور.

إن الحديث عن دور المجتمع المدني في الدفاع عن الديمقراطية وترسيخها، ظاهرة حديثة في سياق تطور النظام السياسي العربي. فالنخب السياسية اليسارية والقومية والإسلامية التي تزعمت المعارضة منذ الستينات لم تكن تضع الديمقراطية في مطلع أهدافها، ولم تكن تولي أي اهتمام بمقولة المجتمع المدني.

بدأت هذه الظاهرة تبرز تدريجيا مع سلسلة الأزمات التي واجهتها " الدولة الوطنية " في معظم البلاد العربية مع مطلع السبعينات. فهذه الدولة ظنت بأنها قادرة على أن تتولى بمفردها تحقيق جميع المطالب المادية والمعنوية لمواطنيها، من شغل، وتعليم ، وصحة، وثقافة، وتنمية. لكن، بعد مرحلة البحث والتجريب، ثم تعاقب معظم الحكومات العربية في تبني سياسات اشتراكية مرتجلة ومخلوطة باعتماد واسع ومفرط على نظام الحزب الواحد، وجدت هذه الأنظمة نفسها أمام حصاد مر وفشل ذريع في معظم المجالات الحيوية. وهو ما دفعها إلى مراجعة اختياراتها الاقتصادية والتنموية، بضغط من البنك الدولي وصندوق النقد، والأخذ ب " نصيحتهما " في التخلي عن التزاماتها الاجتماعية السابقة. ومع كل خطوة تخطوها نحو التفويت في قسم من القطاع العام، وإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، تتسع حاجتها لشركاء في الداخل والخارج من أجل ضمان الحد الأدنى من الخدمات والاستقرار الاجتماعي الذي هو شرط ومقدمة لتحقيق الاستقرار السياسي .

تنظر الأنظمة لمجتمعاتها المدنية نظرة ضيقة ومحدودة. فمن وجهة نظر هذه الأنظمة، لا يتجاوز دور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية مهمة مساعدة الدولة على تنفيذ سياساتها، وفق الحدود والشروط التي تضعها الحكومات والهيئات الرسمية. فالمجتمع المدني، من وجهة نظر معظم الأنظمة العربية، لا يتمتع بصلاحيات حقيقة أو سلطات فعلية، وإنما حركته محدودة بسقف لا يحق له أن يتجاوزه. فهو كيان تابع، لا يحق له التدخل بشكل فاعل في وضع السياسات العامة، ودوره وثانوي وتكميلي لدور المؤسسات الحكومية التي يجب أن تبقى بيدها المبادرة والإشراف والتخطيط وتوزيع المهام. ومن هذه الزاوية وجدت المجتمعات المدنية العربية نفسها منذ البداية في حالة نزاع وصراع مع الحكومات حول مفهوم " المجتمع المدني " ودوره وصلاحياته وعلاقته بمؤسسات الدولة وأجهزة الحكم والأحزاب الحاكمة، إلى جانب تحديد الآليات القانونية التي يجب أن تتوفر كشرط ضروري للبقاء والتأثير.

وبما أن معظم أنظمة الحكم في العالم العربي، تأسست وفق ثقافة سياسية تؤله الحاكم والزعيم وتعطي الأولوية للدولة على حساب المجتمع، فقد ترتب عن ذلك نزوع مستمر من قبل السلطة نحو احتواء المجتمع بل وابتلاعه. وتجسد ذلك في واقع قانوني وسياسي ساهم بشكل رئيسي في تعطيل وتأخير ولادة مجتمعات مدنية ناضجة وفاعلة، وتسبب أيضا في إصابة معظمها بعاهات شوهت عملية تأسيسها، وأثر سلبا على نسق نموها وعطل الكثير من طاقاتها. ومن هذه الزاوية، كان من الطبيعي أن يقترن مسار استكمال تشكل المجتمعات المدنية العربية بمدى تقدم مسارات التحول الديمقراطي قطريا وإقليميا. وهو ما جعل الاستقلالية وحرية تشكل الجمعيات والدعوة إلى مراجعة القوانين المقيدة لنشاطها تحتل أولوية قصوى في برامج واهتمامات النشطاء والفاعلين الاجتماعيين والديمقراطيين في العالم العربي.

لكن مع فشل نظام الحزب الواحد، والتغيرات الضخمة التي ترتبت عن انهيار المعسكر الاشتراكي وصعود الليبرالية الجديدة، وتوالي الهزائم العسكرية والاقتصادية، تراجعت قبضة النظام العربي قليلا، مما وفر فرصة للمجتمع المدني كي يطفو على السطح، ويثير اهتمام الجميع بما في ذلك الأنظمة العربية.

شهدت السبعينات بداية تنفيذ سياسات الإصلاح الهيكلي التي أوصى بها البنك الدولي على إثر " تعثر " الاقتصاد الموجه وفشل التجارب الاشتراكية التي خاضتها عديد الدول العربية. وقد صاحب ذلك التحول في النمط الاقتصادي لجوء بعض الأنظمة إلى نوع من الانفراج السياسي المحسوب. وهو ما سمح بصعود دور النقابات، والاعتراف بعدد من الجمعيات الجديدة، وفي مقدمتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في بعض الدول. ومع الثمانينات تزايد دور المنظمات غير الحكومية، على الصعيدين العالمي والمحلي، واقترن ذلك بتغير ملحوظ في أيديولوجيات أحزاب المعارضة العربية التي بدأت تتخلى عن الأيديولوجيات المغلقة، وتشرع في عملية مصالحة مع المنظومة الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان.

هذه الحركية السياسية والثقافية سرعان ما أصيبت بنكسة مع الانقلاب على التجربة الديمقراطية في السودان، وتوقيف المسار الانتخابي في الجزائر على أيدي العسكر وبتأييد من قبل معظم الأنظمة العربية والحكومات الغربية. وأصيبت الأوضاع العربية بحالة من الركود والتصدع بعد اجتياح العراق للكويت في مطلع التسعينات، في محاولة أخيرة من أكثر الأنظمة العربية استبدادا للتمسك بمعادلة الوحدة قبل الحرية والديمقراطية. لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وفرت فرصة غير منتظرة لكي يصبح إنهاء الاستبداد في المنطقة العربية مطلبا دوليا بعد أن كان قضية محلية، تدافع عنها نخب محدودة التأثير.

هذه المتغيرات طرحت على منظمات المجتمع المدني العربية مهمة الانتقال إلى أن تكون شريكا قويا وفاعلا في عملية الإصلاح الديمقراطي، رغم ضعف إمكانياتها. وهو دور لم تتهيأ له هذه المنظمات، لكنها أصبحت مضطرة للقيام به الآن وخلال السنوات القليلة القادمة.

2. أ : موقفالمبادرات العربية والدولية من دمج المجتمع المدني في مسيرة الإصلاح

تعددت خلال الخمسة عشر سنة الماضية المبادرات على الصعيدين العربي والدولي الرامية إلى تفعيل دور المجتمعات المدنية العربية، ومحاولة دمجها في عملية إصلاح شاملة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى عدد من هذه المبادرات، للتعرف على الصيغ والآليات التي اقترحتها لتحقيق عملية الدمج.

محاولات الإصلاح من داخل العالم العربي قديمة، ويعود بعضها إلى أكثر من قرن ونصف. لكنها كانت في الغالب تأتي نتيجة العلاقة الجدلية القائمة منذ عهود بين الداخل والخارج. فمعظم الدعوات المحلية للإصلاح والمراجعة كانت ولا تزال ردا أو تفاعلا مع نداءات أو محاولات صادرة وضاغطة عن جهات أجنبية لها مصلحة في تحديث المنطقة وتطوير أوضاعها. وبالرغم من صدمة هزيمة 67 تعتبر شكلت محطة أساسية لبداية لقيام النخبة العربية بممارسة النقد الذاتي و" اكتشاف " أهمية الديمقراطية والتمسك بحقوق الإنسان ، إلا المبادرات الذاتية للإصلاح لم تطفو من جديد على السطح في هذه المرحلة ، إلا بعد أن تزايد الاهتمام الدولي بالمنطقة، وتعددت المشاريع الدولية التي تضمنت جملة من الصيغ والمقترحات و" الحلول " المقدمة إلى العرب في شكل " وصفات جاهزة ".

من هذه الزاوية، سيكون من المنطقي استعراض ما اشتملت عليه المبادرات الدولية من مفاهيم ومقترحات خاصة بدمج المجتمع المدني العربي في عملية الإصلاح، قبل الانتقال إلى المبادرات العربية.

إعلان برشلونة

كانت أوروبا أسبق من الولايات المتحدة في الاهتمام بمساعدة العالم العربي على تطوير أوضاعه، ومحاولة ربط ذلك بالرؤية الإستراتيجية لأوروبا ومصالحها ودورها الإقليمي والعالمي. كما كانت أسبق في طرح المسألة الديمقراطية والإصلاح السياسي، المجتمع المدني شريكا في ذلك. فبعد فشل الحوار العربي الأوروبي، وتوجيه ضربة قاضية لنظام صدام حسين بإجباره على التراجع والتخلي عن مشروع فرض " الوحدة " عن طريق القوة العسكرية، اقترحت أوروبا صيغة عملية وطموحة، تمثلت في مبادرة برشلونة.

يندرج إعلان برشلونة، الذي تبناه المؤتمر الأورو- متوسطي في 27 و 28 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1995، ضمن المبادرات التي قامت بها أوروبا من أجل تحقيق شراكة سياسية واقتصادية وثقافية حقيقية مع جزء واسع من العالم العربي[1]، أو ما تطلق عليه دول جنوب حوض المتوسط، وذلك وفق رؤية إستراتيجية متعددة الأبعاد . وقد شدد البيان على " الأهمية الإستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط " واعتبار الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة تشكل " تحديات مشتركة تتطلب حلا شاملا ومنسقا ". وهو ما يقتضي " خلق إطار متعدد الأطراف ودائم، يرتكز على روح المشاركة مع احترام ميزات وخـواص وقيم كــل المشـاركيـن ". وأكد أصحاب المبادرة على أن جعل البحر الأبيض المتوسط منطقة حوار وتبادل وتعاون " يفرض توطيد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ونموا اقتصاديا واجتماعيا مستديما ومتوازنا ومكافحة الفقر وتنمية أفضل للتفاهم بين الثقافات ".

ارتكز مفهوم الشراكة الأورومتوسطية على ثلاث سلال مترابطة. تتعلق السلة الأولى بالجانب السياسي، حيث التزم الوزراء الذين وقعوا على إعلان برشلونة بالعمل على " تنمية دولة القانون والديمقراطية في جهازهم السياسي مع الاعتراف ضن هذا الإطار بحق كل منهم بحرية اختيار وتنمية جهازه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعدلي ". وكذلك " احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، إضافة إلى الممارسة الفعلية والمشروعة لهذه الحقوق والحريات، بما فيه حريات الرأي وحرية التجمع لأهداف سلمية، وحرية التفكير والضمير والدين فرديا وجماعيا مع أعضاء آخرين في نفس المجموعة، بدون أي تمييز بسبب العنصر والجنسية واللغة والدين والجنس ". وبذلك كانت أوروبا أول من قدم رؤية من خارج المنطقة، تشمل بعدا سياسيا يغري الأنظمة العربية بتغيير طبيعة علاقتها مع مجتمعاتها.

أما السلة الثانية فهي اقتصادية، حيث تم الاتفاق على " تسريع عجلة النمو الاجتماعي والاقتصادي المستديم، وتحسين ظروف الحياة للسكان، ورفع مستوى الاستخدام وتخفيف فوارق النمو في المنطقة الأوربية- المتوسطية، والتأسيس التدريجي لمنطقة تبادل حر، وتنفيذ تعاون وتداول اقتصادي ملائمين في المجالات المعنية، وزيادة ضخمة للمعونة المالية من الاتحاد الأوروبي إلى شركائه ". واعتبر الوزراء أن تحقيق منطقة تبادل حر ونجاح المشاركة الأوروبية- المتوسطية " يرتكزان على زيادة ضخمة في المعونة المالية، التي يجب أن تشجع قبل كل شيء تحريك الفعاليات الاقتصادية المحلية ضمن آفاق نمو داخلي مستديم ".

بعد استعراض الجوانب السياسية والاقتصادية في المبادرة، ركز الإعلان على السلة الثقافية من حيث " تشجيع التبادلات بين المجتمعات المدنية في المجالات الثقافية والعلمية والتكنولوجية". وتم التأكيد بالخصوص على أهمية الحوار والاحترام بين الثقافات والأديان، باعتبارهما " شرطان ضروريان لتقارب الشعوب ". كما شدد الوزراء على " تشجيع التبادلات الثقافية ومعرفة لغات أخرى مع احترام الهوية الثقافية لكل شريك، وتنفيذ سياسة مستديمة للبرامج التربوية والثقافية ". كما دعوا إلى " تشجيع المشاركة الفعالة للتجمعات السكنية في التدابير الصحية والمعيشية للسكان " وأبرزوا " أهمية احترام الحقوق الاجتماعية الجوهرية بما فيها الحق في النمو ".

وأكد الوزراء بالخصوص على اعترافهم " بالدور الرئيسي الذي بإمكان المجتمع المدني القيام به في عملية تنمية كل جوانب المشاركة الأوروبية- المتوسطية كعامل أساسي لتفاهم أفضل وتقارب بين الشعوب ". وبناء عليه وافق الوزراء على " توطيد / أو ترتيب الأدوات اللازمة لتعاون غير مركزي في سبيل تشجيع التبادلات بين فعاليات النمو في إطار القوانين الوطنية: المسئولون عن المجتمع السياسي والمدني، العالم الثقافي والديني، الجامعات، البحث، أجهزة الإعلام، الجمعيات، النقابات والشركات الخاصة والعامة ". ودعوا إلى " تشجيع الاتصالات والمتبادلات بين الشباب في إطار برامج تعاون غير مركزية " و" أعمال الدعم لصالح المؤسسات الديمقراطية وتوطيد دولة القانون والمجتمع المدني ".

لم يكتف إعلان برشلونة بضبط الأهداف والنوايا، بل وضع أصحابه برنامجا عمليا، واتفقوا على آليات تنفيذ ومتابعة. ومن هذه الآليات تنظيم اجتماعات دورية لوزراء الشئون الخارجية من أجل " تأمين متابعة تطبيق الإعلان ". وتم ذلك " على شكل اجتماعات موضوعية مناسبة للوزراء والموظفين الكبار والخبراء وتبادل الخبرات والمعلومات والاتصالات بين المشاركين من المجتمع المدني ". وشكلت لجنة من مسئولين كبار، تسمى "اللجنة الأورو- متوسطية لعملية برشلونة"، تجمع ممثلي الرئاسة الثلاثية لمجلس الاتحاد الأوروبي وممثل كل شريك من الشركاء المتوسطيين، ومهمتهـا هي " تقدير وتقييم عملية متابعة أنشطة الشراكة علاوة على تحديث برنامج العمل وفقا لمقتضى الحال ".

إلى جانب الآليات، وضع برنامج عمل طموح تم عرضه على الدول وفعاليات المجتمع المدني، وشمل مختلف الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية والمالية والثقافية، بما في ذلك المواصلات والطاقة والسياحة والبيئة والمياه والعمل البلدي والتنمية الاجتماعية والهجرة والإعلام والنشاط البرلماني والعمل الشبابي.

لماذا أخفق مسار برشلونة ؟

رغم أهمية إعلان برشلونة، إلا أن المبادرة أخفقت في تحقيق أهدافها المعلنة، أو بالأحرى لم يستمر المسعى الأوروبي على نفس النسق، مما جعل مسار برشلونة ينتهي إلى مأزق فعلي، ويدفع بالكثيرين إلى الاعتقاد بأنه قد انتهى. لقد تغلب التيار الداعي إلى " أوروبا أولا "، خاصة وأن حجم المشاكل التي تعاني منها دول معظم دول جنوب المتوسط تتطلب فترة زمنية طويلة، وهناك من الأوروبيين الذين يعتقدون بأن النتائج بعد كل الجهود التي ستبذل فهي غير مضمونة. لكن هناك ثلاث عوامل رئيسية انعكست سلبا على مستقبل المبادرة وأجهضتها.

يتعلق العامل الأول بربط مسار برشلونة بمسيرة العملية التفاوضية بين العرب وإسرائيل التي أطلقها مؤتمر مدريد على إثر انتهاء حرب الخليج الثانية، وزاد من إذكائها اتفاق أوسلو بين شق من الفلسطينيين بقيادة ياسر عرفات وبين حكومة تل أبيب العمالية. ولهذا مع توقف العملية السلمية وانهيارها، تراجع الرهان الأوروبي على مبادرة برشلونة. وهو ما أدركته أطراف المجتمع المدني في ضفتي المتوسط عندما اتفقت على اعتبار أن " تطور الهياكل الاقتصادية والسياسية المستديمة والديمقراطية في المنطقة يعتمد بشكل كبير على حل الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك فإن عجز الاتحاد الأوروبي والشراكة الأورو- متوسطية عن اتخاذ موقف فعّال وحاسم للوصول إلى حل عادل وفقاً للمعايير القانونية والإنسانية الدولية ، قد سدّد ضربة قوية لمصداقية وفعالية عملية برشلونة ". وهي نفس المعضلة التي يواجهها حاليا مشروع الشرق الأوسط الكبير.

أما العامل الثاني الذي عجل بفشل مبادرة برشلونة فيتعلق بانهيار المعسكر الاشتراكي، وتوجه أوروبا الغربية إلى شطرها الثاني أوروبا الشرقية سابقا. ولهذا أعطيت الأولية إلى توسيع مؤسسة الاتحاد الأوروبي على حساب عملية إدماج دول جنوب المتوسط.

لكن العامل الذي أثر بشكل سلبي ومباشر على منظمات المجتمع المدني العربي، تمثل أساسا في إخلال الحكومات العربية بالتزاماتها في مجال احترام الحريات وحقوق الإنسان وكل ما يتعلق بالإصلاح السياسي، وفي المقابل تجنبت الحكومات الأوروبية ممارسة ضغوط جدية على شركائها العرب. بمعنى آخر، أعطى الطرف الأوروبي الأولوية للجوانب الأمينة والثقافية من مسار برشلونة على حساب الجانب السياسي، الذي أضفى على المبادرة عند انطلاقها بعدا استراتيجيا جديدا، وجعل المجتمع المدني العربي يعلق عليها آمالا واسعـة. ف " طموح الاتحاد الأوروبي بتأسيس منطقة تجارة حرة، وجدول الأعمال الخاص بالأمن والاستقرار الذي يستهدف مسألة الهجرة واللاجئين، كانا مهيمنين على عملية برشلونة. وهذا أدّى بدوره إلى تهميش مسألة مناصرة حقوق الإنسان، والتطور الديمقراطي المستند إلى التنمية الاجتماعية-الاقتصادية المستديمة ، كما أدى إلى تهميش قضية العمل على ردم الفجوة التنموية ما بين الاتحاد الأوروبي وشركائة الجنوبيين ". كما أن تشديد الشراكة على ضرورات الأمن/الاستقرار " أدى بدوره إلى طرح تساؤل عمّا إذا كانت العملية الأورو-متوسطية مصممة لاحتواء الصراعات ، بدلاً من أن تساعد على إيجاد حلول عادلة ودائمة لها . وعلاوة على ذلك ، يبدو تعريف المنطقة الأورو- متوسطية مصطنعاً وموجهاً من قبل المصالح الجيو- سياسية للدول الأوروبية ، وهذا يؤدي فقط إلى زيادة الانقسامات في المنطقة بدلاً من خلق ميدان عمل أكثر تكافؤاً للشركاء ".

رغم فشل صيغة برشلونة، إلا أن فعاليات المجتمع المدني في ضفتي المتوسط عبرت في تقييم مشترك عن اعتقادها بأن " الشراكة الأورو- متوسطية تظل الهيكل الإقليمي الأكثر صلة بالتعاون المتوسطي، ومن ضمن ذلك مناصرة الديموقراطية وحقوق الإنسان، إذ وفرت الشراكة مصادر مالية ومؤسساتية جديدة للمنطقة، كما أنشأت منبراً سمح بتحقيق قدر من التعاون بين مختلف منظمات المجتمع المدني في المنطقة المتوسطية يمكن ألا يتوفر من غير هده الشراكة "[2].

شبكات موازية لدعم المسار

من جهة أخرى، عندما انطلق مسار برشلونة، توالت بعده ظهور عدد من المنظمات والشبكات التي حاولت أن تكمل جوانب النقص فيه، أو أن تختص في أحد المجالات التي ركز عليها. وهو ما أفرز مجموعة من المؤسسات والهيئات، التي ساهمت كل من موقعها في خدمة أهداف الإعلان، من خلال تنفيذ العشرات من البرامج والأنشطة والمبادرات. وقد استفادت العشرات من منظمات المجتمع المدني من دلك بصفة واسعة أو جزئية.

نكتفي في هذا السياق بالإشارة إلى بعض هذه الجهود الموازية، التي دافعت عن ضرورة تشريك المجتمع المدني، أو عملت على تنمية قدرات عدد من منظماته من أجل تأهيلها لكي تلعب دورا ما في مشروع الشراكة. ومن بين تلك الهيئات " أورومسكو EuroMesco" ، وهي شبكة غير حكومية، تأسست عام 1996، بدعم مالي من " اللجنة الأوروبية ". وتضم هذه الشبكة المعاهد المستقلة المختصة في السياسة الخارجية الموجودة بالدول الموقعة على إعلان برشلونة. وتعمل الشبكة من أجل تشريك المجتمعات المدنية في تعميق الحوار حول القضايا السياسية والأمنية، بالاعتماد بدرجة أساسية على الخبراء والجامعيين.وتعطي الشبكة الأولوية في اهتماماتها لإشكالية " المشروطية السياسية في الشراكة ". والمقصود بذلك ربط الإصلاح السياسي بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتعاون الأمني والثقافي، وذلك من خلال الفصل الثاني الذي نصت عليه اتفاقيات الشراكة الثنائية التي تم التوقيع عليها بين الاتحاد الأوروبي وعدد من دول جنوب المتوسط.

في نفس السياق يمكن ذكر " المعهد الأوروبي للمتوسط IEMED ". وهو مركز للتفكير والحوار حول المجتمعات المتوسطية، مهتم بتنظيم أنشطة ذات طابع علمي وبحثي على صعيد الجامعيين والخبراء. وهو من المؤسسات المدافعة عن مشاركة المجتمع المدني في مسار برشلونة، ويركز بالخصوص على التنسيق مع الشبكات الموجودة بالمنطقة. وهو يولي أهمية مركزية للحوار بين ثقافات المتوسط. وقد أسس وقفية مهتمة بذلك، إلى جانب إقامة مرصد لنساء المتوسط.

كما شكلت المنتديات المدنية الموازية صيغة لتمكين منظمات المجتمع المدني من التأثير في مسار برشلونة، حتى يبقى وفيا لأهدافه المعلنة، غير أن التجربة لم تكن في مستوى الطموحات. فالارتباك الذي ساد عمليات التنظيم والتوجيه والاختيار، جعل المردود ضعيفا، مما دفع إلى البحث عن صيغة للتحكم من جهة في تنظيم هذه المنتديات، ومن جهة أخرى توفير شكل أفضل تتمكن من خلاله منظمات المجتمع المدني.

حاولت المنتديات المدنية أن تملأ الفراغ ، حيث أن إعلان برشلونة " لم يصرح بصورة مباشرة، عن الكيفية التي يمكن من خلالها للمنتديات المدنية أن تؤثر على الشراكة، ولهذا فإن إمكانات المنتديات في التأثير على الشراكة تظل محدودة ". ولم يكن لها سوى " تأثير بسيط على عملية صناعة القرار الحكومي ، ولم تصل نتائج وتوصيات المنتديات إلا لمستوى محدود من التطبيق العملي ". كما اتصفت أعمال هذه المنتديات " بدرجة معيّنة من النخبوية ، وذلك في مراحل التخطيط والمشاركة ؛ ولهذا لم تكن ممثلة بما يكفي لشواغل المجتمع المدني الأورو-متوسطي ، وتحديداً شواغل الجنوب ".[3]. من هذا المنطلق عهد لمنبر المنظمات غير الحكومية إحكام تنظيم المنتدى المدني، وأن يجتهد لكي يصبح متمثلا لكل شرائح المجتمع المدني وعضويته

ويمثل " منبر المنظمات غير الحكومية الأورومتوسطية " شبكة أخرى تأسست على هامش مسار برشلونة، وانبثقت من داخل رحم التجربة. والمنبر عبارة عن فضاء مفتوح العضوية حاول ولا يزال أن يسد فراغا أساسيا. فإعلان برشلونة ـ ثم سياسة الجوار - لم يتضمنا آلية واضحة تحدد كيفية مشاركة المجتمع المدني في تنفيذ أهداف الشراكة وبرامجها. فحكومات جنوب المتوسط لم يكن من مصلحتها البحث عن أي صيغة من شأنها أن تجعل من منظمات المجتمع المدني طرفا فاعلا وربما مساويا في مسار برشلونة. كما أن الإتحاد الأوروبي، تجنب من جهته إحراج شركائه، وتعمد إغفال التنصيص على وجوب مشاركة المنظمات غير الحكومية في مختلف هياكل وضع التصورات والسياسيات وتنفيذها. وهو ما جعل مشاركة هذه المنظمات غالبا ما تكون محدودة، وعشوائية في أحيان كثيرة.

عمل " المنبر " ولا يزال على تحقيق ثلاث أهداف على الأقل. أولها الدفاع عن وجود مجتمع مدني مستقل من حيث وجوده القانوني، ومصادره المالية وقدرته على الحركة والتأثير. لقد حاول أن يكون سندا معنويا إضافيا لهذه المنظمات، والوقوف إلى جانبها عندما تتعرض للضغط أو محاولات التهميش. وثانيا : تكوين شبكة تضم عددا متزايد من جمعيات الدول الأعضاء في مسار برشلونة. وقد تمكن من تأسيس منابر محلية في 35 دولة، من بينها لبنان، والمغرب، ومصر، وفلسطين، الأردن، الجزائر، تونس. وتتفاوت هذه الفروع من حيث حجمها وأهميتها ودورها. وثالثا : السعي إلى خلق إطار تتمكن من خلاله منظمات المجتمع المدني من الدخول في تشاور وحوار مع الحكومات ومؤسسات الشراكة الأورومتوسطية.

سياسة الجوار استمرار أم تغيير في الاتجاه ؟

بالرغم من أن أطرافا عديدة أصبحت تعتقد بأن مسار برشلونة قد توقف واضمحل، إلا أن الحكومات الأوروبية تؤكد من جهتها على تمسكها بمشروع الشراكـــــة، وتعتبـر بـــــأن " سياسة الجوار " التي عوضت صيغة العلاقة متعددة الأطراف ليست سوى امتدادا لنفس المسار. هذه السياسة التي تم انتهاجها بعد قرار توسيع الاتحاد الأوروبي في اتجاه الشرق خلال عام 2004. وانبثق عن " سياسة الجوار " خطط عمل ذات طابع ثنائي. هذه الخطط تضمنت عدة جوانب تخص التشجيع على الإصلاح السياسي، وتذهب أكثر مما ورد في إعلان برشلونة، حيث حددت بشكل مفصل مجالات الإصلاح والمضامين المتعلقة بها. وتم الاتفاق مع حكومات دول الجنوب التي قبلت الصيغة الجديدة اضطرارا، على تنظيم اجتماعات مغلقة لا يحضرها ممثلو المجتمع المدني لتقييم مسارات الإصلاح، وهو ما تحتج عليه المنظمات غير الحكومية وترى فيه إجراء يهدف إلى إضعافها دورها وإقصائها من مبدأ الشراكة، الذي نصت عليه الوثائق وخالفته الممارسات.

حتى بعض أطراف المجتمع المدني في أوروبا مثل ( منبر المنظمات غير الحكومية الأورومتوسطية ) اعتبرت أن أن " سياسة الجوار " تشكل خطوة متقدمة على إعلان برشلونة، لكن في المقابل هناك منظمات وشبكات أخرى بشمال المتوسط وجنوبه، أعلنت عن خشيتها من أن تلغي صيغة التعاون الثنائي الرؤية الإقليمية المتكاملة التي ميزت إعلان برشلونة. وتلاحظ منظمات جنوب المتوسط في انتقادها لسياسة الجوار غياب الآليات التي من شأنها أن تضمن إلزام حكوماتها بالمسألة الديمقراطية وتجعلها تقبل، ولو بصفة تدريجية القيام بإصلاحات حقيقة وفعلية. وهي مسألة تقر بها الحكومات الأوروبية، التي تحاول تدارك غياب آلية ملزمة باللجوء إلى أسلوب مكافأة الأنظمة التي تتقدم أكثر من غيرها في مجال الإصلاح الديمقراطي. لكن بشكل عام، هناك قناعة سائدة، حتى داخل أوساط خبراء الاتحاد الأوروبي وموظفيه، مفادها أن الحكومات الأوروبية يهمها بالدرجة الأولى دعم الاستقرار في المنطقة، وأما الإصلاح السياسي فهو مجرد خطاب للتعبير عن حسن النية، ولا تسنده إرادة حقيقية لدفع الأوضاع في بلدان جنوب المتوسط نحو إقامة أنظمة ديمقراطية.

مشروع الشرق الأوسط الكبير

عندما فشلت صيغة برشلونة ولم تحقق أهدافها، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتقلب أولويات الفكر الاستراتيجي الأمريكي، عادت المنطقة العربية لتحتل مركز الاهتمام العالمي، واتخذت منها إدارة الرئيس بوش تحديدا مجالا حيويا ومخبرا لتجريب محاولات بناء شرق أوسط " جديد ".

إن انهيار برجي التجارة العالمية في نيورك، دفع بإدارة الرئيس بوش إلى مراجعة المقولة السابقة التي سادت طويلا وكانت من بين مسلمات السياسة الخارجية الأمريكية. كانت تلك المقولة تستند على الاعتقاد بأن الاستقرار القائم على الاستبداد في منطقة الشرق الأوسط لا يتعارض مطلقا مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأمنها القومي. وأدت هذه المراجعة إلى إطلاق " الشراكة الشرق أوسطية " أو الشرق الأوسط الكبير في ديسمبر 2002. لكن ما الذي تضمنته النسخة الأولى من المشروع، والتي جاءت مبعثرة في أجزائها ومحتوياتها ؟.

أقرت الوثيقة بأن " القوة الدافعة للإصلاح الحقيقي في الشرق الأوسط الكبير يجب أن تأتي من الداخل ". واعتبرت أن أفضل الوسائل لتشجيع الإصلاح هي عبر " منظمات تمثيلية ". وبناء عليه " ينبغي لمجموعة الثماني أن تشجع على تطوير منظمات فاعلة للمجتمع المدني في المنطقة ". ولتحقيق ذلك، اقترحت الوثيقة على الدول الثمانية أن تتولى :


* تشجيع حكومات المنطقة على السماح لمنظمات المجتمع المدني، ومن ضمنها المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الإنسان ووسائل الاعلام، على أن تعمل بحرية من دون مضايقة أو تقييدات.


* زيادة التمويل المباشر للمنظمات المهتمة بالديموقراطية وحقوق الإنسان ووسائل الإعلام والنساء وغيرها من المنظمات غير الحكومية في المنطقة.


* زيادة القدرة التقنية لمنظمات غير حكومية في المنطقة بزيادة التمويل للمنظمات المحلية (مثل "مؤسسة وستمنستر" في المملكة المتحدة أو "مؤسسة الدعم الوطني للديموقراطية" الاميركية) لتقديم التدريب للمنظمات غير الحكومية في شأن كيفية وضع برنامج والتأثير على الحكومة وتطوير استراتيجيات خاصة بوسائل الإعلام والناس العاديين لكسب التأييد. كما يمكن لهذه البرامج ان تتضمن تبادل الزيارات وإنشاء شبكات إقليمية.


* تمويل منظمة غير حكومية يمكن أن تجمع بين خبراء قانونيين أو خبراء إعلاميين من المنطقة لصوغ تقويمات سنوية للجهود المبذولة من اجل الإصلاح القضائي أو حرية وسائل الإعلام في المنطقة. (يمكن بهذا الشأن الإقتداء بنموذج "تقرير التنمية البشرية العربية".)[4]


خوف الأنظمة دفع إلى تعديل المشروع

أمام مخاوف الأنظمة العربية وردود فعلها، ورفض الحكام العرب الصيغة التي قدم بها المشروع، تدخل الطرف الأوروبي، مستفيدا من الصدمة التي تلقتها مختلف الأطراف المحلية، وقام بتخفيف حدة الخطاب، وأجرى حوارا مع الولايات المتحدة الأمريكية أفضى إلى إدخال عدد من التعديلات الأساسية.

هكذا أصدر قادة مجموعة الدول الثمانية في أعقاب اجتماعهم في منتجـع ( سي آيلاند ) بالولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 10 يونيو 2004، وثيقـــة معدلة تحت عنــوان " شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا ". وعبر هؤلاء القادة على التزامهم ب " التعاون الصادق مع حكومات المنطقة، إضافة إلى ممثلي الأعمال والمجتمع المدني لتعزيز الحرية والديمقراطية والازدهار للجميع ". وحتى يتجنبوا الاصطدام بالخصوصيات، اتخذوا من " القيم الكونية " مدخلا لتبرير هذه الشراكـة مثل " الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية وحكم القانون والفرص الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ". كما أقروا بأن " التغيير لا ينبغي ولا يمكن فرضه من الخارج ". وسلموا أيضا بأن " كل بلد يمتاز بفرادته وينبغي احترام التنوع فيه " وأن مشـاركتهـم في التغيير " يجب أن تستجيب للظروف المحلية "، شريطة أن " لا يستغل هذا التمايز لمنع الإصلاح ". كما تعهدوا بأن يجعلوا من حكومات المنطقة وقادة أعمالها ومجتمعاتها المدنية " شركاء كاملين ".

المنتدى من أجل المستقبل

أما بالنسبة لآليات تحقيق دمج المجتمعات المدنية العربية، فقد اقترحت الوثيقة إحداث منبر " من أجل المستقبل " جعلت منه " موقعا محوريا " في إنجاح هذه الشراكة. وهذا المنبر أو المنتدى هو عبارة عن هيئة تضم على بالخصوص وزراء الخارجية والاقتصاد لمجموعة الثمانية مع نظرائهم في المنطقة لإرساء نقاش متواصل حول قضايا الإصلاح. ويشارك رجال الأعمال والمجتمع المدني في حوارات مستقلة وموازية للاجتماعات الرسمية.

حددت الوثيقة المجالات ذات الأولية. ففي الجانب السياسي تم التركيز على قضايا الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترام التنوع والتعددية.

أما في المجال الاجتماعي والثقافي فقد ركزت الوثيقة على مسائل التعليم وحرية التعبير والمساواة بين الجنسين. وبالنسبة للجانب الاقتصادي فقد تم إعطاء الأولوية لملفات البطالة وتشجيع القطاع الخاص وتوسيع التجارة والاستثمار ودعم الإصلاحات المالية وتامين حقوق الملكية وتشجيع الشفافية ومكافحة الفساد.

برنامج الحوار من أجل الديمقراطية

اقترحت الخطة التفصيلية لمجموعة الثمانية إنشاء برنامج سمي ب " الحوار لدعم الديمقراطية " يكون تحت رعاية " منتدى المستقبل ". والهدف من هذا البرنامج جمع هيئات المجتمع المدني بالحكومات من أجل التنسيق فيما بينها ـ المعلومـــات " و " العمل على تعزيز البرامج الديمقراطية " و " توفير الفرص للمشاركين لتطوير الفعاليات المشتركة ". ودعيت كل من اليمن وتركيا وإيطاليا لتنفيذ هذا البرنامج. وقد حرصت هذه الدول على تنظيم سلسلة من الحوارات بين ممثلي المجتمع المدني والحكومات والمجالس النيابية، بهدف "إحداث تكامل في مشاركة لاعبين أو ناشطين غير حكوميين وشخصيات سياسية وممثلين لوسائل الإعلام فضلا لخبراء في شؤون مجتمع المدني" . أما المنظمات غير الحكومية التي تم اختيارها كشريك لتنفيذ برنامج حوار دعمي الديمقراطية (DAD) فهي مركز المعلومات والتأهيل باليمن ومنظمة لا سلام بدون عدالة في ايطاليا والمؤسسة التركية لدراسات الاقتصادية والاجتماعية.

بعد مشاورات بين مختلف الأطراف تم تحديد أربعة قضايا اعتبرت ذات أولوية في هذه المرحلة:

1- مشاركة المرأة في الحياة العامة

2- التعددية السياسية والعمليات الانتخابية

3- استقلالية وسائل الإعلام والملكية الفردية لوسائل الإعلام الالكترونية

4- التعددية الدينية والثقافية

لتنفيذ ذلك وضع برنامج تفصيلي حدد لفترة زمنية ما بين سنتين 2005 و2006. وقد خصصت ندوتان على مستوى المنطقة العربية لفعاليات المجتمع المدني بهدف "إيجاد أرضية مشتركة لحوار مستقبلي مع حكومات". كم تم تنظيم مؤتمرين آخرين حضرهما ممثلون عن الحكومات والبرلمانات إلى جانب منظمات المجتمع المدني بغية التوصل إلى "الاتفاق حول الأولويات والتوقعات ". وتتويجا لهذا المسار تم تنظيم اجتماع مشترك خصص لتقييم ما تم انجازه و"محاولة تحديد آليات للمراقبة والمتابعة".

يلاحظ في هذا السياق أن ( برنامج دعم الديمقراطية ) المنبثق عن مبادرة مجموعة الثمانية قد عمل فعلا على مساعدة عدد من منظمات المجتمع المدني العربي من خلال تشريكها في وضع البرنامج وتحديد قضايا الإصلاح ذات الأولوية. كما مكنها أيضا من توفير بعض الفرص لإرساء تقاليد التشاور والتعاون مع حكومات المنطقة حول الإصلاحات الضرورية. وتم من الناحية العملية إنجاز عدد من الأبحاث والبرامج، إلى جانب إعداد تقرير دوري ورسالة للأنباء ( newsletter ) ساعدت منظمات المجتمع المدني الذي انخرطت في هذا المسار على تبادل لمعلومات والبرامج الخاصة بالمنطقة. كما ساعد المؤتمران اللذان عقدا في كل من الرباط وصنعاء على جعل الحكومات العربية تقبل بالجلوس بشكل " متساوي " مع ممثلي المجتمع المدني، والاستماع لمطالبهم و" تحمل " انتقاداتهم والقبول بالبحث عن قواسم مشتركة وأهداف قابلة للتحقق بشكل مرحلي. وبذلك يمكن القول بان برنامج حوار دعم الديمقراطية قد أخرج نسبيا مبادرة مجموعة الثمانية من التعميم، وجعلها أكثر ارتباطا بمسائل عملية وسياسية يمكن قياسها وتقييم أدائها. لكن ذلك لا يعني أن المبادرة قد غيرت أشياء جوهرية في علاقة المجتمع المدني بالحكومات.

تراجع وشكوك

رغم الديناميكية المحدودة التي خلقتها مبادرة " شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا ". إلا أنها خلفت شرخا في المجتمع المدني العربي، ولم تفلح في كسب ثقة أغلب مكوناته. كما أنها لم توفر الآليات التي تضمن عدم تراجع الأنظمة العربية عن الإصلاح، وهو ما سمح لها بالاستمرار في المناورة وانتهاج أسلوب ربح الوقت. فالمنتدى السنوي الذي اقترحته مبادرة الدول الثمانية بهدف مراجعة أوضاع الإصلاح في المنطقة، لم يحقق أهدافه التي أسس من أجلها. وهو ما جعل المبادرة " تميل إلى التعامل في قضايا الإصلاح مع الحكومات بشكل أكبر من التعامل مع منظمات المجتمع المدني، وهو بمثابة أن نطلب من الثعلب حماية الدجاج "[5].

تسود حاليا شكوك جدية في أوساط منظمات المجتمع المدني العربية، بما في ذلك تلك التي قبلت الانخراط في هذا المسار حول الجدوى من مبادرة الشرق الأوسط الكبير، خاصة بعد أن ارتبطت في الأذهان بمصطلحين استعملتهما وزيرة الخارجية الأمريكية في مناسبتين، الأول هو " الفوضى الخلاقة " لتبرير ما يجري في العراق، و " الشرق الأوسط الجديد " لإضفاء المشروعية على العدوان الإسرائيلي على لبنان. لمن مع ذلك، هناك خطوة هامة أفضت إليها مبادرة مجموعة الثمانية، ويتوقع أن يكون لها تأثير مباشر على أوضاع عدد من الجمعيات والمنظمات العربية غير الحكومية. وتمثلت تلك الخطوة في إنشاء "مؤسسة المستقبل لمنطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا"، وهي عبارة عن صندوق لتقديم المنح والمساعدات المالية إلى مختلف المنظمات العاملة في مجال دعم الديمقراطية والإصلاح. وهو مقترح سبق أن أبدت بعض الحكومات العربية تحفظها عليه مما أدى على فشل اجتماع منتدى المستقبل الذي عقد في البحرين، رغم أن حكومات أخرى شجعت المبادرة وسارعت في تقديم الدعم المالي مثلما فعلت دولة قطر. لكن بعد ضغوط مارستها واشنطن بالخصوص، قبلت الكثير من الدول العربية ليس فقط بإنشاء الصندوق، ولكن أيضا بالمساهمة في تمويله. فهل سيساعد بعث هذا الصندوق على تجاوز إشكالية التمويل، التي لا تزال تشكّـل مثار جدل واسع في أوساط النشطاء والديمقراطيين العرب ؟. سؤال ستجيب عنه الفترة القادمة بعد أن تشرع " مؤسسة المستقبل " في عملها. لكن اللافت للاهتمام، أن الصندوق سيديره مجلس إدارة مُـكوَّن من شخصيات معروفة على الصعيدين الإقليمي والدولي، لا تتحمل مسؤوليات رسمية ومشهود لها باستقلاليتها عن الحكومات. وسيكون رئيس المجلس من أحد دول المنطقة، وليس من خارجها. وقد تم ترشيح 41 شخصية لهذه الهيئة، وقع اختيار 15 منها بالتساوي بين الرجال والنساء ليكونوا أعضاء في مجلس إدارتها، مع الملاحظ أن الحكومات غير ممثلة في المؤسسة، ولا علاقة لها باتخاذ القرار فيها أو بطريقة توزيع المنح المالية وضبط المستفيدين منها.

هذا وقد عبّـرت خمس دول (أربع منها عربية) عن رغبتها في احتضان مقر " مؤسسة المستقبل"، وهي المغرب وقطر والأردن واليمن وتركيا. كما رصد لها ما لا يقل عن 60 و70 مليون دولار، تبرّعت بها عديد الحكومات العربية والغربية، من بينها الولايات المتحدة، وقطر وسويسرا.

هكذا تبدو مبادرة المستقبل، متأرجحة بين حالة الشك التي أخذت تنتاب آلاف النشطاء الذين يحاولون استثمار ما اعتبروه فرصة لتعديل موازين القوى لصالح التغيير والإصلاح، وبين جهود تُـبذل من قبل جهات متعددة حكومية غربية وأخرى مدنية غير حكومية، من أجل تفعيل المبادرة، والحيلولة دون أن تفشل وتذهب ريحها.

وبين هذا وذاك، يبقى المجال واسعا للحسابات السياسية الاستراتيجية والمناورات المتعددة التي تقوم بها مختلف الأطراف، سواء للمحافظة على الأوضاع الراهنة، رغم سوئها، أو العمل على إدخالها في حركية مجهولة النتائج والتداعيات. أما على أرض الواقع، فأعراض الحمل لا تزال قائمة، لكن لا توجد الدلائل على أن الجنين سيكون خاليا من العاهات والتشوّه. فالوضع العربي يكاد ينطبق عليه ما قاله ( تشارلز ديكينز ) " المرحلة الحالية تشكل أفضل الأوقات وأسوئها في الآن نفسه ".




المبــادرات العربيــــة

مع تعدد المبادرات الخارجية الخاصة بإصلاح العالم العربي، وجدت الأطراف العربية نفسها على الصعيدين الرسمي وغير الحكومي مدعوة إلى المساهمة بدورها في صياغة بدائل تعكس رؤيتها لهذه المسألة. فكيف عالجت هذه المبادرات النابعة من الداخل مسألة دمج المجتمع المدني في عملية الإصلاح ؟.

توجس الأنظمة من مجتمعاتها المدنية

كما سبقت الإشارة من قبل، لم تكن الأنظمة العربية معنية بمسألة تطوير أداء المجتمع المدني، وتأهيله للمشاركة بصفة فعالة ومستقلة في عملية التنمية بمفهومها العميق والشامل. لم يبدأ اهتمام الأنظمة بالجمعيات الأهلية أو المنظمات غير الحكومية إلا بعد أن تراكم فشلها في تحقيق نهوض اقتصادي واجتماعي، وهو ما دفعها نحو التخلي التدريجي عن الوفاء بتعهداتها السابقة تجاه مواطنيها، خاصة فيما يتعلق بتوفير حق الشغل والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم المجاني وحماية الفقراء وذوي الدخل المحدود.

أمام هذا الفشل والتراجع، بدأت تظهر الحكومات اهتمامها بالجمعيات ذات الطابع الخدمي، وتستعين بها لتخفيف وطأة تحرير الاقتصاد على عدد متزايد من الشرائح الاجتماعية. وتعتقد د. نادية مصطفى مدير مركز البحوث والدراسات السياسية جامعة القاهرة بأن الحكومات " تحرص على تواجد مؤسسات المجتمع المدني لأنها مؤشر على وجود ديمقراطية حتى وإن لم تتمتع بالحرية أو كانت بلا فاعلية ". وأضافت أن المجتمع المدني الخدمي يخفف من أعباء الدولة في ظل الظروف الراهنة مما يمثل أحد الجوانب التسكينية لآلام المجتمع، بالإضافة إلى أن المجتمع المدني يتشارك مع الحكومة في الاهتمام ببعض القضايا النوعية، وفي بعض الأحيان تتبنى منظماته أجندة النظام ويتكرر في هذه المؤسسات ما يحدث في مؤسسات الدولة من فساد وعدم تداول للسلطة "[6].

في مقابل ذلك بقيت الحكومات متوجسة من المنظمات التي لها مواقف نقدية من أسلوب إدارة الحكم وتنظيم الشأن العام. كما تخشى هذه الحكومات من أن تتحول منظمات المجتمع المدني إلى سلطة موازية أو رقابية، فتصبح بذلك أداة بيد المعارضة أو القوى الدولية. لهذا السبب تعمل الأنظمة العربية منذ فترة للحيلولة دون أن تخرج هذه المنظمات عن نطاق السيطرة.

ارتبط الحديث عن " المجتمع المدني " كمصطلح ومفهوم ضمن مفردات الخطاب العربي الرسمي مع الجدل الذي دار حول ضرورة إصلاح جامعة الدول العربية، وذلك على إثر تحمل السيد عمرو موسى مسئولية الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. ومع ذلك، استمر الحذر والخوف من جميع محاولات إدماج منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك محاولات الأمانة العامة للجامعة التي أدرجت ضمن الهيكلة الجديدة قسما مختصا بالعلاقة مع المجتمع المدني . لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جدت أحداث ضخمة دفعت بالأنظمة العربية إلى تغيير أسلوب تعاملها مع قضية الإصلاح عموما، ومسألة العلاقة بالمنظمات غير الحكومية.

ثلاث أحداث فرضت تغير الموقف

تمثل الحدث الأول في احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، وإسقاطها بالقوة لنظام صدام حسين. وبالرغم من أن تلك الحرب قد خلصت بعض الأنظمة من خصم عنيد كان يهددها في أمنها ووجودها، إلا أنها في المقابل بثت الرعب لدى الكثير من حكام، ووضعت المنطقة أمام المجهول.

أما الحدث الثاني الذي زاد من قلق الأنظمة، فتمثل في صدور تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002، الذي صدر عن " برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "، وأعده ثلاثون من المثقفين والخبراء العرب المرموقين. هذا التقرير الذي " عرى الملك " أزعج كثيرا الحكومات، لأنه كشف عن حجم مسئوليتها على الأزمة الضخمة التي خلفتها سياسات فاشلة وقمعية، مما جعلها تعتقد بأن التقرير قد جاء ليزيد من تحريض الدول الغربية على تكثيف ضغوطها من أجل إحداث تغيير مفروض من الخارج. وهو ما حدث فعلا، حيث استندت الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية على ما ورد في التقرير من أجل تبرير تدخلها فيما تعتبره الأنظمة العربية " شئونا داخلية.

أما الحدث الثالث فقد جاء في صيغة " مشروع الشرق الأوسط الكبير " الذي اتخذت منه واشنطن أداة لشن " هجوم أمريكي ودولي " على الأنظمة العربية، واتهامها بالاستبداد، وتحميلها مسؤولية تفريخ الإرهاب، ومطالبتها بالإصلاح، إذا كانت ترغب في تجنب مصير النظام العراقي ورئيسه صدام حسين.

في هذا السياق العام، وفي ضوء تداعيات تلك التطورات التي شهدتها المنطقة والسياسات الدولية، يمكن التوقف عند عدد من المبادرات العربية الخاصة بالإصلاح.

- تقرير التنمية الإنسانية : رغم الانتقادات الشديدة التي وجهتها الأنظمة العربية لتقرير التنمية البشرية، فهو يعتبر وثيقة مرجعية عربية هامة وجريئة في مجال الإصلاح. ولا يعود ذلك فقط إلى كون الذين ناقشوها واعدوا هم مجموعة من المثقفين والخبراء العرب، ولكن أيضا لما تضمنته من تشخيص دقيق للواقع العربي، وما احتوت عليه من اقتراحات وتوجهات استراتيجية.

دأب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إصدار تقرير سنوي منذ عام 2001 عن واقع التنمية في العالم العربي. وقد اكتسب هذا الجهد أهمية خاصة، نظرا لاستناده على مفهوم " التنمية الإنسانية " الذي أدرج توفير الحريات العامة وحقوق الإنسان ضمن بقية مؤشرات التنمية وهي العيش حياة طويلة وصحية، واكتساب المعرفة، والوصول إلى الموارد اللازمة لعيشة لائقة. وبالرغم من إدانة التقرير للاحتلال الإسرائيلي باعتباره " يجمد النمو والازدهار والحرية في العالم العربي "، إلا أنه عندما قارن مساحة الحرية في المنطقة العربية بما هي عليه في مناطق أخرى من العالم النامي وجد أن " موجة الديمقراطية التي طورت أنظمة الحكم في معظم بلدان أميركا اللاتينية وشرق آسيا وشرق أوروبا ودولاً إفريقية أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، لم تقترب من الدول العربية التي لازالت ترزح تحت أنظمة حكم مستبدة مرتبطة بوجود جهاز تنفيذي قوي يسيطر على جميع أجهزة الدولة، تغيب في إطاره حرية التعبير والمعايير الحديثة للشرعية ".

كان التقرير متوازنا بين نقده الشديد لسياسة الاحتلال في كل من العراق وفلسطين وما ترتبت عنه تداعيات خطيرة، وبين رفع الغطاء عن حالة البؤس التي يعيشها العام العربي في أكثر من مجال. ومما أضفى مزيدا من القوة على التقرير هو استناده على المنهج المقارن، الذي أظهر أن المنطقة العربية تعتبر أكثر المناطق في العالم نقصا في مجال المشاركة والحريات السياسية والمدنية. فهي فاقدة للصوت والمسائلة، إلى جانب النقص الفادح في مجال المعرفة، إذ تعتبر الأقل مستوى في مجال تدفق المعلومات واستعمال تكنولوجيا الاتصال.

- وثيقة الإسكندرية : تعتبر وثيقة الإسكندرية التي صدرت عن " مؤتمر قضايا الإصلاح العربي : الرؤية والتنفيذ " الذي عقد ما بين 12 و 14 مارس 2004، من بين عدد من النصوص الهامة التي أفرزتها مرحلة البحث عن الوسائل المؤدية للتغيير نحو الأفضل. وقد نظم المؤتمر تحت رعاية الرئيس المصري حسني مبارك، وبالاشتراك مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا و مجلس الأعمال العربي و منظمة المرأة العربية ومنتدى البحوث الاقتصادية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان. وتميزت هذه الوثيقة بخاصيتين. أولا : رغم الحضور الرسمي المصري الذي اثار شكوكا حول مدى استقلالية المبادرة، إلا أن الذين شاركوا في المؤتمر، وصاغوا وثيقة الإسكندرية ينتمي أغلبهم إلى أوساط المجتمع المدني، مما جعلها تعكس إلى حد كبير تشخيص المجتمعات المدنية العربية للحالة الراهنة، وعبرت عن جزء حيوي من مطالبها وتطلعاتها. أما الخاصية الثانية لوثيقة الإسكندرية، فتتمثل في الرؤية المتكاملة وشبه الشاملة التي قدمتها للنخب والحكومات. لقد تناولت مختلف مجالات الإصلاح المنشود، بدء بالسياسي والاقتصادي، وصولا إلى المجال الثقافي، ومرورا بالمجال الاجتماعي. وتضمنت معظم المطالب التي يجمع عليها كل النشطاء والفاعلين الديمقراطيين في المجتمع المدني والنخب السياسية والثقافية. فالوثيقة نصت على ضرورة " احترام كافة الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع ". وأكدت على أهمية " حرية الصحافة ووسائل الإعلام " و الاعتماد على الانتخابات الجرة و" ضمان تداول السلطة، و " القضاء على الفساد "، وإقامة " الحكم الرشيد " ودعم حقوق الإنسان، وتحقيق الإصلاح الدستوري والتشريعي. وانطلاقا من هذا المسح الشامل للعوائق والمطالب الإصلاحية، تعتبر وثيقة الإسكندرية وثيقة مرجعية للمجتمعات المدنية العربية، خاصة وأنها توجت حزمة المطالب التي تضمنتها بالتأكيد على أن " مسؤولية تنفيذها لا تقع على الحكومات وحدها، وإنما على المجتمع المدني والحكومات معا ".

في المقابل، وبقدر ما وفق أصحاب وثيقة الإسكندرية في توصيف الواقع وضبط لائحة عريضة في المطالب، جاءت مقترحاتهم الخاصة بالمتابعة ووضع آليات لتحقيق دمج المجتمع المدني في الإصلاح ضعيفة ومحدودة. ففي الباب الخامس المتعلق بالاقتراحات العملية، دعت الوثيقة إلى " ضرورة وضع مجموعة من مترابطة من آليات التنفيذ ". واقترحت بالخصوص " تأسيس منتدى للإصلاح العربي في مكتبة الإسكندرية "، يتولى " عقد ندوات وحوارات مشتركة عربية وعالمية حول موضوعات التنمية "، ويكون " فضاء مفتوحا للمبادرات والحوارات الفكرية والمشاريع العربية، سواء فيما يتعلق بالإصلاح العربي، أو إقامة جسر لكل أشكال الحوار والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني العالمي ".

إلى جانب ذلك، اقترحت وثيقة الإسكندرية تأسيس " مرصد اجتماعي عربي لمتابعة نشاط المجتمع المدني العربي، ورصد وتقييم مشاريع الإصلاح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ". واشترطت الوثيقة أن يـعتمد المرصــد عـــلى " مجموعة من المؤشرات الكمية والكيفية "، لكنها لم تقدم أي تفصيل في هذا الشأن.

كما اقترحت الوثيقة أيضا أن تختار مؤسسات المجتمع المدني في كل قطـر عربي " عددا من نماذج الجمعيات غير الحكومية الناجحة في مجال التنمية وحقــوق الإنسـان ". وأن يتم عرض نشاطات هذه الجمعيات ومردودها الاجتماعي في مؤتمر عربي يعقد كل عام. وذلك بهدف " إبراز دور المجتمع المدني في التنمية ".

هذا وقد عقد " منتدى الإصلاح العربي " الذي اقترحه مؤتمر الغسكندرية ثلاثة مؤتمرات، ونظم عددا من الورشات. ناقش مؤتمره الأول ( من 22 – 24 فبراير ٢٠٠٥) موضوع " دور الشباب في الإصلاح والتحديث" .

أما المؤتمر الثاني فقد نظم تحت عنوان "التجارب الناجحة" ( من ١٣ إلى ١٥ مارس ، ٢٠٠٥ ). وذلك تنفيذا لإحدى توصيات وثيقة الإسكندرية التي أكدت على " أهمية القدرات التي تمتلكها منظمات المجتمع المدني وكذلك قدرة أصحاب المصلحة الحقيقية وجموع المواطنين على المشاركة في حل مشاكلهم دون الاعتماد الكلي على ما يمكن أن تقوم به الحكومات العربية ".

وفي شهر مارس من سنة 2006، عقد " المؤتمر الثالث للإصلاح العربي "، الذي عالج موضوع " التحديات والمشاغل التي تواجه منظمات المجتمع المدني".
وذلك بمشاركة ممثلين عن ثماني عشرة دولة عربية من منظمات المجتمع المدني، حيث بحثوا عن " أفضل الممارسات والتعرف على دروب الإصلاح من خلال الإطلاع على أفضل الإنجازات في الدول العربية وبقية أنحاء العالم وخاصة بالنسبة لقضايا القروض متناهية الصغر وأثرها على تمكين المرأة وعمالة الشباب وأوضاع الشفافية وحقوق الإنسان وشئون البيئة". كما تناول المؤتمر " الإطار التنظيمي للعمل الأهلي من خلال مناقشة التشريعات و الإدارة والتمويل، وعلاقة كل هذه القضايا بتحقيق الإصــلاح في البــلاد العربية ".
كما نظم المنتدى عددا من الورشات ، مثل ورشة " عمل الحريات الفكرية "، وورشـة عن " الشفافية ومحاربة الفساد في قطاع الصحة "، و " الحوار بين شمال وجنوب المتوسط ".

عززت وثيقة الإسكندرية هامة الرصيد المرجعي لمنظمات المجتمع المدني المطالبة بالإصلاح والمنخرطة فيه، إضافة إلى الحركية التي خلقتها والصدى الإعلامي والسياسي الذي أحدثته على نطاق واسع . لكن مع ذلك، بقيت المبادرة محكومة بالسقف الرسمي حين قيدت حركة الأحزاب والجمعيات بالقوانين والدساتير الحالية، وهو ما اعتبره البعض موافقة ضمنية على إقصاء حركات الإسلام السياسي، رغم علم الجميع بأن هذه القوانين والدساتير تتضمن الكثير من الفرامل المتعارضة مع الحق في تكوين الجمعيات والأحزاب، وهي تعمل على كبح أي نهوض ديمقراطي. هذا الالتزام بالسقف الذي وضعته الحكومات حد من فاعلية وثيقة الإسكندرية، وجعل التوصيات التي صدرت عنها ينقصها الجرأة والوضوح في معالجة معوقات التحول الديمقراطي في المنطقة.

إعلان الدوحة من أجل الديمقراطية والإصلاح

انتظم في العاصمة القطرية مؤتمر عربي ما بين 3 و 4 حزيران 2004 ، بمبادرة من مركز دراسات الخليج التابع لجامعة قطر، وشارك في فعالياته أكثر من 100 مشارك. وجاء في إعلان الدوحة التأكيد على أن " التغيير الديمقراطي أصبح خيارا لا يقبل التفاوض ولا يمكن تأجيله ". كما رفض الذين وقعوا عليه أبرز الحجج التي تقدمها الأنظمة من أجل التملص من الإصلاح، فرفضوا ما وصفوه ب " التستر وراء ضرورة حل القضية الفلسطينية قبل تنفيذ الإصلاح ". ونفوا وجود أي تعارض جدي بين الثقافة العربية الإسلامية وبين الديمقراطية.

وبما أن الوثيقة تعتبر سياسية بامتياز، فقد طالبت بإجراء إصلاحات دستورية الغرض منها " تحويل النظم الملكية المطلقة إلى نظم ملكية دستورية " على جانب " الحد من السلطات الرئاسية في الجمهوريات، وضبط مدة زمية لممارسة الرؤساء للحكم. كما طالب الإعلان بانسحاب العسكريين من المسرح السياسي، وترك السلطة للمدنيين. واقترح أيضا إنشاء " مواثيق وطنية " تحدد قواعد المشاركة السياسية، وشدد على ضرورة مكافحة الفساد واستقلال القضاء ونزاهته. كما تم الإلحاح على تحقيق التوازي بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي. ولم يتردد الإعلان في المطالبة بالاستعانة بالضغوط الخارجية المساندة للإصلاح من أجل تحقيق قدر أعلى من التحول الديمقراطي في العالم العربي.

الأنظمة تقرر تجميل الواجهة

هذا التحول الجاري والواعد منذ سنوات داخل أوساط المجتمع المدني العربي، انتهى في بعض التجارب المحلية إلى حالة من التقاطعات بين رهانات هذه الأوساط وسياسات الأنظمة القائمة. هذه الأنظمة التي وعت بضرورة إصلاح نفسها ولو بشكل جزئي قبل أن تتجاوزها الأحداث ويفرض عليها التغيير فرضا قسريا يضعفها أو ربما يطيح بها. وهكذا اختار كل نظام مســاره الإصلاحــي " الخاص به "، الذي يتوقع بأن يكفل له تجديد شرعيته من خلال تعديل الخطاب السياسي، والاستجابة لبعض مطالب المجتمع المدني والساحة الديمقراطية المحلية.

تم الشروع في تلك التغيرات من قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فبعض الأنظمة شرعت في إعادة تسويق صورتها على الصعيدين الداخلي والخارجي منذ أواسط الثمانينات ومطلع التسعينات. لكن ذلك كان يتم بوتيرة بطيئة وحذرة، وفي أحيان كثيرة يطغى عليها العناية بالجوانب الشكلية. أما بعد أن أصبحت هذه الأنظمة مطالبة من قبل حلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ خطوات إصلاحية واضحة في مجالات محددة مثل إجراء انتخابات نزيهة، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع لمواطنيها في القرار وفي المؤسسات، فقد اتخذت هذه الأنظمة إجراءات أكثر أهمية.

أما على الصعيد الإقليمي، فقد شهدت القمة العربية التي عقدت في تونس ما بين 22 و 23 ماي 2004 أول مناسبة تبنت فيها حكومات المنطقة موقفا مشتركا من المبادرات الدولية للإصلاح. وجاء هذا الموقف غامضا في عباراته، تعميميا في صياغته، لا يتضمن التزاما قاطعا، ويخلو من تحديد دقيق لخطوات ملموسة في اتجاه الإصلاح.

أصدرت القمة زثيقتين. الأولى تحت عنوان " إعلان تونس " الذي تضمن فقرتين لهما صلة مباشرة بموضوع الإصلاح. أكدت الأنظمة العربية في الفقرة الأولى " تمسكها بما جاء في مختلف العهود والمواثيق الدولية والميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته قمّة تونس, وتعزيز حرية التعبير والفكر والمعتقد وضمان استقلال القضاء ". والفقرة لم تضف شيئا لما هو منصوص عليه في معظم الدساتير العربية. أما الفقرة الثانية، فقد تعهدت الأنظمة ب " مواصلة الإصلاح والتحديث .. مواكبة للمتغيرات العالمية المتسارعة من خلال تعزيز الممارسة الديموقراطية وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام, وتعزيز دور كل مكونات المجتمع المدني بما فيها المنظمات غير الحكومية في بلورة معالم مجتمع الغد, وتوسيع مشاركة المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية ودعم حقوقها ومكانتها في المجتمع, ومواصلة النهوض بالأسرة والعناية بالشباب العربي ".

أما في وثيقة " مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي" التي صدرت عن القمة، فقد وردت فقرة خاصة بالإصلاح، جاءت أكثر تفصيلا وإن حافظت على عموميتها. 12لقد ورد في البند الثاني عشر التزام الأنظمة العربية ب " تعميق أسس الديموقراطية والشورى وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام وفي صنع القرار, في إطار سيادة القانون وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الانسان وحرية التعبير وفقا لما جاء في مختلف العهود والمواثيق الدولية والميثاق العربي لحقوق الانسان وضمان استقلال القضاء, بما يدعم دور مكونات المجتمع كافة بما فيها المنظمات غير الحكومية, ويعزز مشاركة فئات الشعوب كافة رجالاً ونساء في الحياة العامة ترسيخاً لمقومات المواطنة في الوطن العربي ".

وإذ أكدت الحكومات العربية على تفاعلها مع دعوات الإصلاح، وتأييدها " للجهود والمبادرات العربية الايجابية التي يشهدها العديد من العواصم والمدن العربية بمساهمة من المنظمات غير الحكومية "، وهي إشارة ذات مغزى، إلا أنه ربطت الإصلاحات الموعودة بأربعة أصناف من القيود أو " الضوابط ".

- الصنف الأول " الضوابط الثقافية "، وتم التعبير عنها ب " المرتكزات الثقافية والدينية ". وهو ما أثار جدلا في صفوف منظمات المجتمع المدني، التي أكدت تحفظها على هذا " التحفظ "، حين أكدت في أكثر من وثيقة أنه لا يوجد تعارض بين الثقافة العربية والدين الإسلامي مع الديمقراطية والإصلاح السياسي.

- الصنف الثاني من الضواط اجتماعي وبيداغوجي، وتمت الإشارة إليه بالتأكيـد على " مراعاة وتيرة التغيرات الجارية في المجتمعات العربية ". وهو ما مبرر غالبا ما يستعمل للتهرب من تحديد أجندة زمنية التي طلبت بها منظمات المجتمع المدني ولا تزال حتى لا تقبر دعوات الإصلاح ويطويها النسيان..

- والصنف الثالث من الشروط الضمنية ذو طابع سياسي ويخص تسوية القضية الفلسطينية، وإنهاء احتلال العراق، ورفع الحصار عن سوريا. وذلك باعتبار أن " التسوية العادلة لهذه القضايا من شأنها أن تعزز الإحساس بالسلام والأمن وتدعم الجهود الذاتية لشعوب المنطقة نحو التغلب على التحديات وتجاوز التداعيات الناجمة عن عهود الاستعمار وتعزز مسيرة الممارسة الديموقراطية وحماية حقوق الانسان العربي والحفاظ عليها وترسيخ ممارساتها " .

- الصنف الأخير من القيود هو صنف تشريعي. لقد تم ربط الالتزام بالإصلاح في المجالات المذكورة أعلاه ب " سيادة القانون ". وهي كلمة حق، يمكن أن تؤول ليراد بها باطل. فلا تختلف منظمات المجتمع المدني وقوى الإصلاح حول مبدأ علوية القانون الذي يشكل في حد ذاته أحد المطالب الرئيسية المطروحة من أجل تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، لكن الاختلاف يكمن في نوعية القوانين التي يجب أن تكون الحد الفاصل بين الجميع. لأن أطراف المجتمع المدني تطالب من سنوات طويلة بتغيير الكثير من القوانين السائدة والمعمول بها في معظم الأقطار العربية، نظرا لكونها غير دستورية، ووضعتها الحكومات لتقييد الحريات العامة والفردية.

يمكن القول بأن عموم الأنظمة العربية قد أوفت بجزء من التعهدات التي أخذتها على نفسها في الوثيقتين السابقتين. فمنذ شهر مايو 2004 الذي عقدت فيه قمة تونس إلى شهر نوفمبر 2006 تاريخ إنجاز هذه الدراسة، شهدت عديد الدول العربية بعض التغييرات الإيجابية، سواء في المجالات التشريعية أو السياسية والانتخابية أو الخاصة بتعزيز حضور النساء ودعم حقوقهن. لكن مع ذلك، فإن المشهد العربي في عمومه لا يزال يراوح في مكانه، ولا تزال المجتمعات المدنية المحلية تبحث عن إرساء علاقة إيجابية ومتواصلة مع حكومات المنطقة.



3. مدى قدرة المجتمع المدني على معالجة الشأن الديمقراطي؟

يصعب القول بأن منظمات المجتمع المدني العربي قد أصبحت طرفا فاعلا ومؤثرا وقادرا على صناعة تحولات ديمقراطية حقيقية وملموسة في المنطقة. إن ظروف هذه المنظمات ودرجات نموها تتغير من بلد لآخر، حيث لا يمكن مقارنة حجم المجتمع المدني ودوره في المغرب أو لبنان بنظيره في المملكة العربية السعودية أو سلطنة عمان. لكن مع وجود تفاوت هيكلي وتاريخي، إلا أن جميعها لا يزال يناضل من أجل فرض وجوده وتحقيق استقلاليته وتنمية قدراته.

كما أن المكونات الرئيسية التي تتشكل منها المجتمعات المدنية العربية سواء على الصعيدين المحلي أو الإقليمي، لم تحسم أمرها بشكل واضح تجاه المسألة الديمقراطية. فأغلبية الهيئات والمنظمات لا تزال تفصل بين الديمقراطية والتنمية، وترى أن الاهتمام بالحريات وقضايا الإصلاح يتضمن مخاطر انزلاق المجتمع المدني في لعبة الصراع السياسي من أجل السلطة بين الأنظمة وأحزاب المعارضة. وهي من هذه الزاوية لا تعتقد بأن هناك علاقة عضوية بين العناية بفاقدي السند أو البيئة أو النهوض بأوضاع النساء، وبين فصل السلطات وتنظيم انتخابات نزيهة والتزام الشفافية واحترام الحق في الاعتقاد والتعبير وحرية الصحافة. وقد لعبت الحكومات دورا هاما في تعميق هذا الاعتقاد، حرصا منها على تحييد المجتمع المدني عن معركة الإصلاح السياسي. كما أقدمت بعض المجموعات السياسية المعارضة على القيام بعدد من الأخطاء والتجارب السيئة عندما حاولت تحزيب بعض منظمات المجتمع المدني، وحولتها إلى حصان طروادة في معاركها ضد هذا النظام أو ذاك.

في مقابل ذلك، هناك جمعيات ومنظمات عربية حسمت هذه المسألة، وأدركت أهمية العلاقة العضوية التي تربط بين التنمية بمفهومها الشامل والديمقراطية. عدد هذه الجمعيات في ازدياد بطيء لكنه يتجه نحو خط تصاعدي. وتأتي منظمات حقوق الإنسان والجمعيات النسوية ونواتات الحركات الاجتماعية وأحيانا النقابات في طليعة هيئات المجتمع المدني العربي التي تعتبر نفسها معنية بمخاطبة شئون الديمقراطية والإصلاح. فبالرجوع إلى بيانات ومواقف العشرات من الجمعيات والمنظمات، يلاحظ تركيز متزايد من قبلها على المناداة باحترام الحريات العامة، وحقوق الإنسان، والعمل على إقامة دولة القانون والمؤسسات، إلى جانب الإلحاح على الشفافية وتوسيع دائرة المشاركة.

لا شك في أن ذلك يعود إلى عدد من العوامل، من بينها التحاق الكثير من المناضلين السياسيين بمنظمات وهيئات المجتمع المدني. فالتجارب السياسية والحزبية العربية أدت في الغالب إلى حالات متشابهة من الإحباط والانكماش والفشل. وتعتبر أوساط اليسار العربي نموذجية في هذا السياق. فبعد سلسلة من النكسات والأزمات التنظيمية والأيديولوجية والسياسية، مر الكثير من المناضلين اليساريين بمرحلة مخاض عسيرة، دفعت بجزء هام منهم إلى الانتقال من العمل الحزبي إلى الفضاء الجمعوي. وبرز ذلك بالخصوص في عدد من المجالات، لعل في مقدمتها النضال النقابي، ومنظمات حقوق الإنسان، النشاط الثقافي والفني. هذه " الهجرة الجماعية " من السياسة بمعناها الحزبي والصراع من أجل السلطة إلى " المجتمع المدني "، قد ترتبت عنها بعض المشاكل مثل النزوع المفرط نحو تسييس المنظمات، لكنها من جهة أخرى حملت معها تطلعات المناضلين نحو الديمقراطية والحرية والكرامة والعدل وقيم المواطنة والتضحية والتطوع ومواجهة احتكار السلطة للشأن العام.

إذا كان انخراط نقابات المحامين في الدفاع عن الحريات والديمقراطية يعود إلى فترة طويلة ممتدة في التاريخ المعاصر لشعوب المنطقة، إلا أن التحاق القضاة بهذا المجال قد شكل سابقة هامة تحمل أكثر من دلالة، وتؤكد ما تمت الإشارة إليه من اتساع قاعدة منظمات المجتمع المدني التي لا ترى وجود تعارض بين التزامها بأهدافها الخصوصية وبين دفاعها عن الديمقراطية.

في هذا السياق، تعتبر تجربة نادي القضاة في مصر علامة فارقة، ليس فقط على صعيد تطور المجتمع المدني المصري، ولكن يتوقع أن يكون لها أيضا تداعياتها المستقبلية على بقية الهيئات القضائية العربية، ودعم النفس التحرري لدى الكثير من الجمعيات والأوساط الاجتماعية. فالقضاة المصريون أثاروا في حركتهم الاحتجاجية عديد المسائل المرتبطة ارتباطا قويا بالمسألة الديمقراطية، مثل دور القضاء في تنظيم انتخابات نزيهة، واستقلالية القضاء والقضاة، والفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

تلتقي جميع الدراسات التي أنجزت ضمن العلوم السياسية حول حور الدور الأساسي الذي يقوم به القضاء في مراحل التحول الديمقراطي، من حيث دعم الحقوق الأساسية، وحفظ الحريات العامة وحماية المواطنين من تغول الدولة وترهيبهم عن طريق توظيف السلطة القضائية. ولهذا السبب بالذات، تحتل مسألة استقلال القضاء مكانة أساسية في مطالب المجتمع المدني والمعارضات الديمقراطية العربية. وفي المقابل تم استعمال الجهاز القضائي ولا يزال بشكل مكثف من قبل الأنظمة العربية، في كل المراحل والحقب السياسية، من أجل كسر إرادة المعارضين وشل فعاليات منظمات المجتمع المدني والحد من نزوعها نحو الاستقلالية، والعمل على إرهاب النشطاء وتطويق مجال حركتهم.

هناك رغبة لدى عديد المنظمات غير الحكومية والنقابات والحركات النسائية والقطاعات الشبابية في اكتساب معرفة أوسع وخبرات معمقة بكل ما له صلة بالثقافة الجديدة للمجتمع المدني العالمي. فقد أصبحت مسألة بناء القدرات تدرج ضمن أولويات وبرامج المنظمات والجمعيات. كما أصبح للكثير من هذه المنظمات نصوص مرجعية تستند عليها في التعريف بنفسها ودورها، وتحديد وجهتها ورؤاها العملية والمستقبلية. بل إن بعض هذه المنظمات، لم تكتف بالأدبيات الرائجة عالميا في مجال التثقيف الحقوقي والديمقراطي العام، وإنما اجتهدت لتعزيز تلك الأدبيات بنصوص ووثائق، نابعة من خصوصيات الواقع العربي، وعاكسة لاحتياجات المجتمع المدني في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة العربية. ومن هذه النصوص التي حظيت بأهمية خاصـة " وثيقة الدوحة ".

وثيقــة الـدوحــة : رؤية استراتيجية

في سياق متابعة توصيات اللجنة المدنية العربية التحضيرية لمنتدى المنظمات غير الحكومية الدولي الموازي للمؤتمر الحكومي الثالث لمجتمع الديمقراطيات الذي عقد في سانتياغو – الشيلي بشهر ماي / آيار 2005، قام " المعهد العربي لحقوق الإنسان " بالاشتراك مع " اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان " ومنظمة فريدم هاوس Freedom House، وبالتعاون مع " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية " و" شبكة عائشة للمنظمات النسائية العربية" و" مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان باليمن بتنظيم ورشة " حول استراتيجيات مساهمة المجتمع المدني في التحّول الديمقراطي في البلدان العربية " في الدوحة، وذلك يومي 4 و 5 جانفي 2005.

أصدرت هذه الورشة في خاتمة أعمالها وثيقة، تضمنت اقتراح رؤية استراتيجية موجهة إلى المجتمع المدني، حددت بشكل واضح نسبيا موقعه ودروه في عملية التحول الديمقراطي بالمنطقة العربية. وقد جاءت هذه الوثيقة لتسد جزء من الفراغ، وتكمل ما ورد في النصوص التي سبقتها. فهي تختلف عن الوثائق الأخرى، من حيث تركيزها المباشر على دور المجتمع المدني العربي في تحقيق الانتقال الديمقراطي، ومحاولة تمكينه من رؤية استراتيجية تجمع بين تحليل المناخ الذي تتحرك فيه ومضمون المهمة المطالب بتحقيقها إلى جانب الخبرات التي عليه أن يكتسبها لتحقيق التغيير المنشود. إن الوثيقة من هذه الزاوي تعتبر خطوة مهمة نحو إنشاء أدبيات خاصة بالتحول الديمقراطي من وجهة نظر منظمات المجتمع المدني.

انطلقت الوثيقة من الطبيعة الاستبداديــة للدولــة العربيــة المعاصــرة، ولاحـظت " تداخل الاستبداد السياسي مع الاستبداد الاجتماعي، بل إنّ الاستبداد الاجتماعي قد تحوّل تاريخيا إلى قاعدة للاستبداد السياسي ". هذا التداخل بين الدولة والمجتمع لم يترك في البداية للمجتمع المدني سوى " الاعتماد شبه الكامل على السلطة السياسية، يستمد منها شرعية وجوده باعتبارها الطرف المتحكم في حق التنظيم وتكوين الأحزاب والجمعيات. كما يعتمد عليها أيضا في تمويله وصيغ تحركاته وضبط اختياراته وتحالفاته ورسم استراتيجياته، وهو ما حرمَ المجتمع المدني من القيام بأدواره الحيوية والمتعدّدة وفي مقدمتها دور المراقبة وتقديم المقترحات البديلة، وبالتالي التحول إلى سلطة نقد وتوازن".

اعتبرت الوثيقة أن استمرار الجدل في الساحة العربية حول مفهوم المجتمع المدني، يعود " إلى حالة المخاض التي لا يزال يمر بها المجتمع المدني العربي في سياق التحولات المتسارعة والمستمرة منذ أكثر من قرن. ونظرا للارتباط التاريخي بين قيام المجتمع المدني وبين تشكل الدولة الحديثة، فإن عدم اكتمال تبلور المجتمع المدني في العالم العربي يمكن اعتباره الوجه الآخر للتأخر أو التشويه الذي أصاب عملية تشكل الدولة في هذه المنطقة". وبالتالي فإن " بناء المجتمع المدني هو جهد متواصل ومتواز مع السعي إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة ".

لم تكتف الوثيقة بالتأكيد على حاجة المجتمع المدني العربي الملحة للثقافة الديمقراطية، بل بينت جوانب من هذه الثقافة باعتبارها " شبكة الدلالات المتجسدة في مجموعة من المهارات والمعارف والقيم التي تساعد المواطنين على التعرف ونشر مجموعة من المبادئ كالعدالة والمساواة والتسامح والتفاهم بين الشعوب، وتربية مجموعة من الملكات كالفكر النقدي الواعي ". وأكدت على أن هذه الثقافة " اقترنت تاريخيا بحقوق المواطنة، ودولة المؤسسات، وفلسفة التعدد والتعددية، وتحكيم العقل والقانون والأغلبية دون إسقاط حقوق الفرد والأقلية، وهي تتعارض مع العلاقات المبنية على التسلط، والتبعية، وضعف ثقة المواطن في قدرته على التغيير". كما أبرزت علاقة الثقافة الديمقراطية بالثقافة الشعبية والمخزون التاريخي للمجتمعــات العربيــة. فأكـدت عــلى أن " الاهتمام بالثقافة الشعبية هو جزء لا يتجزأ من إشكالية أوسع تخص كيفية التعامل مع التراث بكل ما يعتمل داخله من توجهات يتجاذبها الصراع المستمر بين القديم والجديد، وبين التجديد والتقليد. فتجاهل الثقافة الشعبية ولغة المواطنين وعالمهم الرمزي هو بمثابة مخاطبة أمة بلا روح، وبالمقابل فإن التعامل مع هذه الثقافة بدون رؤية نقدية وربط بينها وبين المتطلبات الثقافية للتحول الديمقراطي من شأنه أن يحولها إلى عائق خطير، وأداة من الأدوات الأيديولوجية التي تحسن استثمارها القوى المناهضة للتغيير ".

كما اشترطت وثيقة الدوحة أن يكون التحول الديمقراطي " مسبوقا ومصاحبا بتعميق الممارسات على الأصعدة الوطنية داخل مؤسسات المجتمع المدني، وتخليصها من الانقسام الطـائفي والحزبي ". وأكدت على أن الإصلاح السياسي الشامل" يبدأ بإصلاح منظمات المجتمع المدني، وتحقيقُ التحول الديمقراطي على الأصعدة الوطنية يجب أن يكون مصاحبا بتعميق الممارسة الديمقراطية داخل مؤسسات المجتمع المدني، وتخليصه من حالة الانقسام الطائفي أو الحزبوي ".

واعتبرت الوثيقة أن المجتمع المدني معني مباشرة بمختلف التحديات التي تواجه المنطقة العربية مثل ظاهرة الإرهاب التي وصفتها بأنها " ظاهرة مركّبة ومعقدة " ودعت إلى " التمييز بين الإرهاب المرفوض وبين المقاومة المشروعة للاحتلال ".

كما حذرت من اندلاع أزمات اجتماعية حادة بسبب تداعيات العولمة في صبغتها الراهنة، وتوقعت بأن ينعكس ذلك سلبا و" يقلب الأولويات، ويزيد من حدة التوتر والقلق والخوف من المستقبل. وكل ذلك سيضاعف من حجم المخاطر، ويزيد من تغذية التطرف وبعطي فرصا إضافية لصعود حركات التطرف بمختلف أشكالها، وهو ما من شأنه أن يعقد مهام المجتمع المدني ".

وبعيدا عن أي نظرة سوداوية للحاضر والمستقبل، اعتبرت الوثيقة أن الإصلاح في العالم العربي " ليس مهمة مستحيلة، وأنه رغم العوائق الكثيرة إلا أن شروطا عديدة للقيام بالتحول الديمقراطي موجودة فعلا ". وأنه " توجد في العالم العربي مجتمعات مدنية وإن كانت في حالة تهيكل ونمو، إلا أنها عرفت خلال العشر سنوات الأخيرة دينامية مرشحة للتزايد مست جميع الأقطار، واخترقت مختلف البنيات ". لكنها لاحظت بأن العجز التي يعاني منها المجتمع المدني العربي لا يفسر فقط " بعامل استبداد الدولة، مع غض الطرف عن المسؤولية الذاتية والمباشرة لقوى المجتمع المدني على استمرار هذا العجز وتفاقمه. فاستبدادا السلط لا يفسر ديناميكيات الانقسام، وغلبة المصالح الضيقة داخل أغلب مكونات المجتمعات المدنية العربية، كما أنه لا يفسر غياب الشفافية المالية والإدارية لدى عديد الهيئات والجمعيات وضعف الممارسة الديمقراطية داخل بعض منظمات المجتمع المدني التي لا تختلف في بنيتها وأساليب تسييرها عن أجهزة الأحزاب الحاكمة أو الشمولية ".

تعتبر الإضافة الأساسية لهذه الوثيقة، تأكيدها على أن منظمات المجتمع المدني العربي تشكو من ضعف تقني. واعتبرت أن خبرة النشطاء التقنية ضعيفة، وهو ما جعل عديد مؤسسات المجتمع المدني العربي " لا تتمتع بالحد الأدنى من الخبرة في مجال بناء الكفاءات الجديدة القادرة على تفعيل دورها في مرحلة التحول الديمقراطي. كما أنه لا توجد رؤية استراتيجية تحدد أهداف المجتمع المدني وأولوياته وأهدافه المرحلية والبعيدة وخططه العملية لإنجاز تلك الأهداف ". ولاحظت أن تجارب المجتمعات المدنية العربية في مجال إدارة الحوار الداخلي " لا تزال محدودة ولم تخضع بالقدر الكافي للتقييم والنقد لتحديد أسباب فشل أغلب تلك المحاولات في تعميق التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية بالإصلاح الشامل، وإخفاقها في إقامة التحالفات الدائمة وبناء الكتلة التاريخية القادرة على إحداث المنعرجات في تاريخ الشعوب وإنجاز البديل الديمقراطي ". وبناء عليه ألحت " وثيقة الدوحة " على ضرورة " ربـط السيــاسي بالتقــني ".لأن المجتمع المدني " مطالب بتغيير قواعد اللعبة في علاقة الدولة به وبكل المواطنين، ولن يتمكن من ذلك إذا كان فاقدا للمؤهلات العملية الضرورية لإنجاز مثل هذه المهمة التاريخية ".

بالنسبة للخيارات الاستراتيجية للمجتمع المدني العربي، وضعت وثيقة الدوحة الحوار النشط مع السلطة والتمسك بالعمل السلمي في مقدمة الأولويات، إلى خيارين خيارين استراتيجيين آخرين لتحقيق التحول الديمقراطي، هما المساواة بمعناها الواسع بما في ذلك المساواة بين الجنسين والمساواة أمام القانون والإقرار بالحقوق الثقافية والسياسية للأقليات القومية أو الدينية أو اللغوية. وأخيرا اعتبار العدالة الانتقالية نموذجا لمعالجة آثار الماضي السلبية. لأن " الخوف من الانتقام الجماعي من شأنه أن يشكل عائقا إضافيا وحاسما في وجه محاولات التوصل إلى صيغة من صيغ الانتقال السلمي للسلطة. بينما يكون من مصلحة المجتمع المدني إرساء مناخ يتصف بالثقة المتبادلة بينه وبين الأنظمة، وذلك من خلال إقناع جميع أطراف المعادلة، وبالأخص السلطة بأن التغيير سيكون في مصلحة الجميع ".

انطلاقا مما سبق، يتبين أن المجتمع المدني العربي يتجه تدريجيا، وإن كان ببطء نحو الوعي بدوره في كل انتقال ديمقراطي محتمل في أي بلد عربي. كما أنه يملك بعض الأدوات وقدرا أدنى من الرؤى الاستراتيجية التي تساعده على المشاركة بأكثر فعالية في إنضاج شروط تحقيق ذلك الانتقال. فقد ساعدت السنوات الأخيرة على الرفع ولو نسبيا من القدرات النظرية والعملية لدى نشطاء المجتمع المدني، مما أهل العديد منهم لبناء مؤسسات وشبكات واسعة من المنظمات غير الحكومية، أصبح بعضها شريكا محليا وإقليميا ودوليا في مبادرات لها صلة عضوية بأحد مسارات الإصلاح.

عندما تستعين الأنظمة بنشطاء المجتمع المدني

لقد استعانت بعض هذه الأنظمة بمجتمعاتها المدنية، سواء باستيعاب جزء من الخطاب الديمقراطي بعد أن استنفد الخطاب القديم للأنظمة أغراضه، أو من خلال إشراك بعض النشطاء في السلطة، وتكليفهم بمهام رسمية. وتعتبر تجربة المغرب مثالا هاما في هذا السياق. وهي تجربة انطلقت عندما أحس الملك الحسن الثاني بأن نهايته قد قربت، فشرع في القيام بعدد من المراجعات لكي يوفر انتقالا سلميا وهادئا للعرش إلى ابنه. وقد فوجئت الطبقة السياسية وكذا المجتمع المدني المغربي بالتحدي الذي وضعهما الملك الحسن الثاني أمامه عندما طرح عليهما تشكيل ما سمي في المغرب بحكومة التناوب.وتمثل التحدي في الغجابة عن السؤال التالي : هـــل يرفضــــان مــبـــدأ " الشراكة " في عملية انتقال السلطة، خوفا من التورط وفقدان المصداقية، أم يقبلان بالرهان ويعملان على تحقيق أكثر قدر ممكن من المكاسب لصالح المجتمع والديمقراطية ؟.

بعد وفاة الحسن الثاني، لم يكتف ابنه الملك محمد السادس بالاستمرار في نفس التوجه، وإنما فاجأ الجميع برغبته في التقدم بعملية الإصلاح نحو حدود أبعد بكثير من تلك التي توقف عندها والده. وهكذا كلما اتسعت رغبة السلطة في الانفتاح على مختلف القوى، كلما شرعت أبواب جديدة أمام المجتمع المدني، ووجد نفسه مدعوا لتطوير خطابه، وتحسين أدائه، ومراجعة استراتيجياته. وبالرغم من أن التجربة أسفرت عن خسائر، وتعرض خلالها المجتمع المدني إلى انقسام حاد بين مكوناته، إلا أن الإيجابيات في المقابل عديدة وهامة. فالتجربة المغربية ما كان لها أن تكتسب الأهمية التي تتمتع بها حاليا من حيث التطور السياسي الذي تشهده، لولا انخراط جزء حيوي من المجتمع المدني إلى جانب عدد من السياسية الرئيسية في التجربة، وممارسته كل أشكال التفاعل من ضغط ومشاركة فعلية وناجعة وإدارة موفقة في عديد المفاوضات التي تمت مع القصر.

3 . أ : التحديات والفرص الذاتية للمجتمع المدني العربي.

لا تتوفر إحصائية دقيقة عن عدد الجمعيات في العالم العربي، إلا أنه يقدر بأنها تجاوزت 70 ألف جمعية ومنظمة أهلية أو غير حكومية. وإذ تخضع معظم هذه الجمعيات لضغوط سياسية وقانونية تحد من دورها وفعاليتها، وتمس من استقلاليتها، إلا أن العديد منها يتمتع بقدر متفاوت من حرية الحركة، ويقدم خدمات مختلفة للمجتمع. وكلما قلت القيود، واقتنعت السلطة أو اضطرت إلى تعديل سياستها تجاه المجتمع المدني، إلا وأظهرت الجمعيات المحلية مزيدا من النضج والقدرة على العطاء والالتزام والتطوع والتضحية. وفي هذا السياق يمكن اعتبار المجتمع المدني اللبناني نموذجا يقدم للتدليل على ما تتمتع به بقية المجتمعات المدنية العربية من قدرات كامنة، تنتظر الفرصة لتفجير ما تتمتع به من طاقات وإحساس بالمسئولية.

لقد لعب المجتمع المدني اللبناني دورا فاق بكثير ما قامت به الأحزاب السياسية، وذلك خلال الحرب المدمرة التي قامت بها إسرائيل ضد لبنان. لقد رفضت أغلب المنظمات اللبنانية الانخراط في الجدل حول الأسباب المباشرة التي أدت إلى العدوان وتحميل المسئولية لهذا الطرف أو ذاك، وأعطت في المقابل الأولوية القصوى إلى معالجة مضاعفات الحرب على المواطنين اللبنانيين. ولم يسفر ذلك الجهد التضامني الكبير والمثالي عن التخفيف فقط من آلام ضحايا العدوان، وإنما خلق أيضا حالة من الوحدة تجاوزت الانقسامات الطائفية، كان لها الدور الحاسم في تنمية القدرة على التحمل والصمود، وأبعدت من جهة أخرى خطر شبح الحرب الأهلية، التي قاسى منها كثيرا وتعلم من ويلاتها دروسا عديدة.

المثال اللبناني يبين أن المجتمعات المدنية العربية قادرة على الارتقاء بأدائها، إذا نجحت من جهة في مواجهة التحديات الداخلية، وتمكنت من حسن استثمار الفرص الذاتية المتوفرة لديها. فما هي أبرز هذه الفرص والتحديات ؟ .

خمس تحديات أمام مسيرة المجتمع المدني

تواجه منظمات المجتمع المدني العربية عدة تحديات من أهمها :

- أولا : تحاول هذه المنظمات أن تنمو في مرحلة تاريخية تشهد اختلالا كبيرا في موازين القوى بين الدولة التي تحتكر كل شيء والمجتمع الذي يفتقر لكل وسائل الدفاع عن نفسه ومصالحه. وبالتالي فإن هذه المنظمات تجد نفسها من جهة مدعوة لفك الحصار والعزلة المضروب حولها من خلال العمل على تغيير التشريعات المقيدة لحريتها، ومن جهة أخرى السعي إلى طمأنة الأنظمة المتوجسة من احتمال انقلاب عليها هذه المنظمات عليها، دون أن تسلم هذه الأخيرة في استقلالية قرارها. ومما زاد من تعقيد مهمة المجتمع المدني العربي أنه في اللحظة التي يدعى فيها للمشاركة في تنضيج شروط التحول الديمقراطي، تعيش أحزاب المعارضة في جميع دول المنطقة حالة تراجع وضعف وعجز عن الفعل. وهو ما جعل البعض يفترض أن تتحول بعض منظمات المجتمع المدني إلى بديل عن الأحزاب، وتتولى هي قيادة عملية التغيير الديمقراطي. وتصبح مهمة هذه المنظمات أكثر تعقيدا وصعوبة عندما يقع استحضار ظاهرة الجمعيات التي تصنعها الحكومــات، وتضفي عليهـا صبغــــة " المنظمات غير الحكومية " لتحاصر الجمعيات الحقيقة وتعمل على عزلها. أما حكومات أخرى، فهي تلجأ إلى سلاح من نوع آخر، عندما تتحالف مع قطاع واسع من الهيئات التقليدية مثل القبائل والعشائر وغيرها، أو تنجح بمختلف الوسائل إلى اختراق عدد من المنظمات غير الحكومية المحلية، وبالتالي تتمكن من نقل الصراع إلى داخل المجتمع المدني نفسه.

- ثانيا : يشكل صعود الحركات الإسلامية أحد أهم الإشكاليات المطروحة بحدة في المنطقة العربية. فهذه الظاهرة تتميز بالتعقيد، ولا يصح اختزالها في بعد واحد أو وضع جميع مكوناتها في سلة مشتركة. وإذ يحاول البعض إخراجها من دائرة المجتمع المدني، إلا أنها قد أثبتت قدرتها على الانتشار والتوسع داخل مختلف دوائر ومفاصل المجتمعات المدنية المحلية، مما أصبح من المستحيل إقصاءها أو رفضها بالجملة. ومن هنا بدأ يدرك الكثير من نشطاء المجتمع المدني في الساحة العربية أنهم معنيون بهذه الظاهرة، التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على السلطة السياسية والمجتمع، بعد أن رشحتها معطيات كثيرة لكي تهدد مجمل موازين القوى في أكثر من بلد عربي، مما جعل أنظمة عديدة في المنطقة تستعمل " الخطر الأصولي " وسيلة لإقناع الدول الغربية بضرورة التخلي عن دعوتها المجنونة التي تخص إطلاق الحريات وتطبيق قواعد النظم الديمقراطية بحجة أن ذلك لن يستفيد منه إلا " المتطرفون الدينيون ".

ويتجلى وعي بعض منظمات المجتمع المدني بهذه المسألة من خلال ما ورد في عدد من المبادرات والنصوص التي ذكرت سابقا. وإذ اكتفى إعلان الدوحة من أجل الديمقراطية والإصلاح بنفي التعارض بين الإسلام والديمقراطية، مما يفتح المجال أمام المسلم المتدين لكي ينخرط في النضال من أجل تحقيق التحول الديمقراطي، فإن وثيقة الدوحة تناولت الإشكالية بأكثر تفصيلا. لقد اعتبرت أن هناك مشكلة " مع من يعتقدون بأنّ الدين هو نظام شامل للكون والحياة، وأنّه يتضمّن نظاما سياسيا بديلا عن الأنظمة السياسية الأخرى بما في ذلك الديمقراطية ". ورأت في هذه القراءة " عاملا آخر لا يقل أهمية عن عوامل أخرى زادت من تعقيد عملية التحوّل الديمقراطي في المجتمعات العربية. فعلاقة الدولة بالدين لا تزال تتطلب نقاشا معمقا وجريئا من أجل التوصل إلى صيغة تحمي الحقوق الفردية والجماعية وحقوق المرأة في المساواة وحقوق الأقليات وتضمن الحريات وتدعم قيم المواطنة وتفصل الحكم عن الدين وترسخ النظام الديمقراطي . وعبر أصحاب الوثيقة عن قلقهم من " تصاعد موجة التعصب المذهبي والغلو الديني في المنطقة " و " تعاظم دور بعض الجماعات المتمسكة بمرجعية دينية متشددة وتربية قتالية عالية ورغبة قوية لتغيير الأوضاع من خلال اللجوء إلى العنف والإرهاب ".

لكن إلى جانب ذلك لاحظت الوثيقة أن ظاهرة التطرف " لا يختص بها دين دون آخر، كما أن التعصب لا تمارسه فقط بعض التيارات الدينية دون غيرها، بل يشمل أيضا تيارات سياسية وأيديولوجية أخرى لا تزال متمسكة بأطروحات فكرية مغلقة وإقصائية ". وخلصت الوثيقة إلى التاكيد على أن المجتمع المدني مدعو اليوم " لدراسة هذه الظاهرة المركّبة والمعقدة، مع تجنب اختزالها في بعد واحد، وعدم التورط في خلط الأوراق كما تفعل أطراف عديدة داخلية وخارجية بتعمدها عدم التمييز بين الإرهاب المرفوض وبين المقاومة المشروعة للاحتلال ". وبالتالي فإن الاهتمام بهذه الظاهرة " يبرز أهمية انخراط المجتمع المدني في المجال الثقافي، ويكشف عن ضرورة تغيير المواقف ووسائل التعامل مع الثقافة الدينية ".

وبقطع النظر عن المواقف المتباينة من الحركات أو الجمعيات ذات المرجعية الإسلامية، فإن الحوار والتعاون معها حول ما هو مشترك، والتعرف على برامجها ونظرتها لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها المجتمعات العربية، أصبح يمثل عنصرا مطروحا بقوة على أجندة منظمات المجتمع المدني في المنطقة.

- التحدي الثالث الذي تواجهه منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال التحول الديمقراطي في المنطقة العربية يتعلق ببنيتها الذاتية واستراتيجياتها العملية. فأغلب هذه المنظمات ضعيف الصلة بالمواطنين، وليس مسنودا برأي عام قوي يدافع عنها ويحميها ويؤمن بدورها وبضرورتها. وبالرغم من أن هذه المنظمات تأسست للدفاع عن حقوق المواطنين وحماية كرامتهم وترسيخ قيم المواطنة لديهم، إلا أنها لا تزال فوقية، وصلتها بالناس محدودة، وبعضها يتعامل بفوقية مع المجتمع، مما أسهم في عزلها وإضعاف وزنها على الصعيد الشعبي، فبقيت نخبوية، تستمد أهميتها أساسا من المساندة التي تلقاها من الخارج. وقد شكل ذلك مدخلا في غالب الأحيان لتشن عليها الحكومات ووسائل الإعلام المعادية للديمقراطية حملات معادية، وتشكك في وطنيتها ونزاهتها.

- التحدي الرابع مترتب عن آثار العولمة وخضوع الحكومات العربية لإملاءات مؤسسات التمويل العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية. إن جوانب عديدة من هذه السياسيات هي حاليا بصدد القضاء على عديد المكاسب الاجتماعية، بالتالي إحداث أضرر فادحة بالفقراء والنساء أبناء الطبقة الوسطى. هذه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة تعمل حاليا على إضعاف القدرة الدفاعية عن فئات واسعة من المواطنين وتحرمهم من الحد الأدنى من الأمن الاجتماعي والحماية الضرورية، مما ينجر عنه تفكيك قيم التضامن وتوسيع دائرة الضحايا. وكل ذلك من شانه أن يزيد من تعقيد مهمة منظمات المجتمع المدني، ويحملها مسئوليات إضافية هي غير مؤهلة حاليا للتصدي إليها بكل فعالية ونجاعة. خاصة وان هذه التحولات تتزامن مع تراجع دور النقابات العمالية العربية، التي أنهكتها الأنظمة والصراعات الداخلية، وأصبحت أكثر حرصا على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية بعد أن قطعت سياسات الخصخصة والمرونة في التشغيل أشواطا كبيرة.

- التحدي الخامس هو تحدي التمويل. إن منظمات المجتمع المدني بالعالم العربي تجد نفسها في مواجهة معضلة مزدوجة. إنها لا تستطيع أن تعمل بدون مال، ولا تقدر على مواصلة نشاطها إذا اكتفت بالاعتماد على مصادرها الذاتية. ونظرا لوجود فجوة بينها وبين المواطنين المسكونين بالخوف والشك، فإن ذلك يجعلها غير قادرة حاليا على المراهنة على دعمهم لها. كما أن القطاع الخاص يتجنب دعم منظمات المجتمع المدني العاملة في حقل الديمقراطية وحقوق الإنسان إما من موقع عدم الغيمان بهذه القيم أو خوفا على مصالحه من ردود فعل الأنظمة القائمة. وهكذا وجدت هذه المنظمات نفسها أمام خيارين أحلاهما مر. إما قبول شروط الحكومات التي تبدي استعدادها لتمويل الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، بشرط التقيد بالسقف السياسي والضوابط التي تضعها بشكل أحادي ومسبق. وهو ما من شانه أن يرهن هذه الجمعيات ويحد من استقلاليتها ونشاطها. أما الخيار الثاني، وفي غياب تشريعات تحرر التمويل العمومي من احتكار الحكومات وتوظيفها له، تتوجه المنظمات إلى قبول الدعم الخارجي. وحينها تشن عليها الأنظمة والجهات التابعة لها حملات التشكيك والتخوين، بهدف الطعن في مصداقيتها وإضعاف مركزها أمام الرأي العام الوطني.

الفرص الداخلية

في مقابل هذه التحديات، تتوفر لمنظمات المجتمع المدني العربية فرص عديدة عليها أن تحسن استثمارها بطريقة تسمح لها بتجاوز المأزق الذي تعيش فيه حاليا. ومن هذه الفرص:

- الاهتمام الدولي والإقليمي والمحلي بمنظمات المجتمع المدني العاملة بالبلاد العربية. وبقطع النظر عن الدوافع الكامنة وراء هذا الاهتمام، ومدى جدية الأطراف التي تقف وراءه، إلا أنه ولأول مرة في تاريخ المنطقة تحظى هذه المنظمات بكل هذه العناية والتشجيع، مما حولها إلى رقم يصعب حاليا شطبه وتجاهله تماما من قبل الحكومات مهما بدا ضعيفا ومحدود التأثير والتمثيل. فجميع المبادرات الدولية والإقليمية الخاصة بدفع الديمقراطية والإصلاح في المنطقة تلتقي حول ضرورة الأخذ بعيد منظمات المجتمع المدني، واعتبارها شريكا في عملية التحول الديمقراطي. وهو عامل مهم، إذا أحسنت هذه المنظمات التعامل معه، ووظفته ضمن أجندتها الخاصة، فسيعطيها قوة وحصانة هي في أشد الحاجة غليها حاليا.

- حصول تغير – وإن بدا محدودا - في سياسات الأنظمة العربية تجاه أسلوب إدارة الحكم والتعامل مع المجتمع والمواطنين. وإذ تختلف درجة هذا التغيير ونسبته من بلد لآخر، إلا أنه في العموم جاء في صالح المجتمع المدني والقوى المطالبة بالإصلاح. فالتطورات النسبية التي شهدتها الأوضاع السياسية في المغرب وموريتانيا والأردن ولبنان والبحرين والسودان واليمن ومصرن، وفرت في الغالب فرصة جديدة للمنظمات المحلية، التي اتسع عددها، وازداد نشاطها، وتدعم وجودها، وكثر أنصارها، وامتد إشعاعها. وبما أن التحولات الكبرى تكون نتيجة تراكمات لأحداث صغيرة، فإن منظمات المجتمع المدني في هذه البلدان وغيرها مدعوة إلى استثمار جيد وذكي لهذا الانفتاح السياسي، مهما بدا محدودا ومشروطا.

- تشهد حرية التعبير والصحافة بالكثير من البلاد العربية خلال السنوات الأخيرة ديناميكية غير مسبوقة. لقد أخذت سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام تتراجع نسبيا، وتتخذ الرقابة أشكالا غير مباشرة. وقد سمح ذلك برفع سقف حرية الصحافة في العديد من الدول العربية. وإذ لا يزال الصحافيون في هذه البلدان يتعرضون من حين لآخر للمضايقة وحتى الاعتقال، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية مساحة الحرية التي أصبحت تتمتع بها صحف ووسائل إعلام كثيرة في المنطقة. والثابت أنه كلما اتسعت حرية التعبير كلما ساعد ذلك منظمات المجتمع المدني على النمو من جهة، وإلزامها بحد أدنى من الشفافية والجدية. كما أن الفضائيات العربية تشكل اليوم ظاهرة صحية رغم عديد الجوانب السلبية التي تعاني منها. فبعض هذه الفضائيات، وفي مقدمتها " قنوات الجزيرة " قد نجحت في تحويل نشطاء المجتمع المدني إلى أحد مصادر الخبر الرئيسية، ومكنتهم من فرصة المشاركة في توجيه الرأي العام وصناعته من خلال التعليق على الأحداث والقضايا الخاصة بالإصلاح، وكذا تعريف الجمهور بنشاط المنظمات التي ينتمون إليها. فالصحافة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة هي بمثابة جسر العبور بين هذه المنظمات وبين الجمهور المستفيد من خدماتها. وبالتالي فهي مدعوة إلى وضع سياسة اتصالية متطورة وناجعة تساعدها على فك العزلة عنها، وتوفر لها فرصة لتشكيل رأي عام يعمل من أجل التغيير، ويؤمن بان الديمقراطية ليست شيئا ضبابيا، وغنما أداة لخدمة المجتمع وتحويله إلى سلطة مراقبة على الحكومات حتى لا تنفرد بالقرار والتسيير.

- إلى جانب الصحافة والفضائيات، وفرت ثورة المعلومات فرصة جديدة لدعاة التغيير والإصلاح من خلال الانترنيت. وبالرغم من أن البلاد العربية تعتبر من أقل الدول التي تنتشر فيها تكنولوجيات الاتصال الحديثة حيث لا تتجاوز نسبتها 0,6 بالمائة، إلا أن هناك نسق تصاعدي في مجال انتشار الحواسيب والدخول إلى الشبكة العنكبوتية مما يسمح لمنظمات المجتمع المدني بالتواصل القوي بين أعضائها، وحلفائها المحليين والدوليين وتبليغ صوتها والتعريف بنشاطها على أوسع نطاق. وإذ تخضع الانترنيت إلى مراقبة قوية في الكثير من الدول العربية إلا أنها ذلك لا يحول دون الحصول على فوائد كثيرة إذا ما اكتسبت هذه المنظمات الخبرات التي تسمح لها باستثمار أقصى من هذه التكنولوجيا العصرية.

3 . ب : التحديات والفرص الخارجية

كان المجال الدولي يكاد يكون حكرا على الحكومات من خلال علاقاتها الخارجية، واحتكارها لوسائل الاتصال. لكن، ومنذ الثمانينات أصبح هذا المجال مفتوحا على مختلف الفاعلين الاجتماعيين، ويوفر لهم إمكانيات جديدة ويفتح لهم آفاقا غير مسبوقة. ومن هذه الزاوية تجد منظمات المجتمع المدني العربية نفسها توجه في علاقاتها بالخارج وعلاقات هذه " الخارج " بها عددا من التحديات والإشكالات، ولكن في الآن نفسه يمكنها من فرص قد تتكرر مستقبلا.

تحديات الساحة الدولية

هناك ثلاث تحديات كبرى تواجه المجتمع المدني العربي في علاقته بالخارج :

- أولا: ازدواجية السياسات الدولية. فالدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تروج لخطاب ديمقراطي، وتمارس في الآن نفسه سلوكا مناقضا لمنطوق وروح ذلك الخطاب. فالإدارة الأمريكية بالخصوص يعود لها الفضل قطعا في خلق كل هذا الجدل الدائر من أربع سنوات حول الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي. لقد رجت هذه الإدارة النظام الرسمي والرأي العام العربي بقوة عندما طرحت مبادرة " الشرق الأوسط الكبير ". لقد كان ذلك إيذانا بنهاية مرحلة طالت كثيرا من تاريخ الشعوب العربية. لكن بقدر ما كانت هذه الإدارة الأكثر وضوحا وجرأة في القول بأن السياسة الأمريكية قد أخطأت عندما دعمت الأنظمة المستبدة بالمنطقة، بقدر ما أصبحت هذه الإدارة الأكثر عداوة من وجهة نظر الشعوب والنخب العربية. ويعود ذلك إلى ما أحدثته سياستها في العراق من كوارث ومآسي، وما ترتب عن دعمها غير المحدود لإسرائيل من اتساع رقعة الظلم والعدوان.

هذه الازدواجية في الخطاب والممارسة التي تتفاوت في الوضوح بين أمريكا والدول الأوروبية أوقعت الإصلاحيين العرب والمنظمات غير الحكومية في حالة من الحرج والارتباك. فهم من جهة يحاولون أن يستفيدوا من التحول الذي طرأ على سياسات الدول الغربية تجاه الأنظمة المحلية، لكن من جهة أخرى أصبحت مواقف هذه الدول من الحريات وحقوق الإنسان سواء في داخل حدودها أو في العراق وفلسطين تنسف بقوة كل مصداقية ممكنة لعملية التغيير. إن الحرب التي تخوضها هذه الأطراف ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي والوسائل الاستثنائية التي لجأت إليها أصبحت توفر فرصة جديدة للأنظمة حتى تبرر استبدادها وتضمن بقاءها، بل والتراجع عما وعدت به من إصلاحات. وهكذا وجدت منظمات المجتمع المدني وقوى الإصلاح نفسها أمام التحدي التالي : كيف يمكن إقناع الجماهير والنخب العربية بضرورة التمييز بين ضرورة الإصلاح وأهميته والعمل على الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية الراهنة لممارسة أقصى درجات الضغط وتحقيق أكثر ما يمكن من الإنجازات، وبين التبرأ من هذه السياسات الدولية الظالمة والمجحفة بحقوق الإنسان والشعوب.

لقد كان بإمكان مبادرة الشرق الأوسط الكبير أن تكون عاملا مساعدا قويا على دفع الأحداث في اتجاه التغيير الديمقراطي، لو أخذت الإدارة الأمريكية بنصائح أطراف عديدة ففي تقرير أصدرته مجموعة الأزمات الدولية بعنوان، "مبادرة الشرق الأوسط الكبير: عسر الولادة" (الجلسة الصحفية لمجموعة الأزمات الدولية، 7 يونيو، 2004) تمت الإشـــارة إلى أنـــــــه " بإمكان المبادرة النجاح في المساعدة في تناول المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عميقة الجذور في الدول العربية، فقط إذا اتخذت الولايات المتحدة خطوات لإيجاد مناخ إقليمي أكثر هدوءا يمكن أن تنبع منه إصلاحات ذاتية في المنطقة – وبصفة خاصة، ينبغي أن تعيد الولايات المتحدة ترتيب سياساتها الخاصة بإحلال السلام بين العرب والإسرائيليين ". لكن الإدارة الأمريكية فعلت العكس تماما، مما زاد في تعقيد الأوضاع، ووضعت المجتمعات العربية أمام تحديات أكثر تراجيدية.

- التحدي الثاني الذي تواجهه منظمات المجتمع المدني في البلاد العربية مرتبط بالأول، لأنه يتعلق بغيب سلم دائم في المنطقة. لقد عاش العالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ستة حروب مع إسرائيل، وحرب عراقية مدمرة مع غيران استمرت ثماني سنوات، ثم حربين متتاليين ضد العراق. الأولى بعد غزو الكويت، والثانية أدت على احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. هذا إضافة إلى النزاعات المسلحة الأهلية أو التي تنفجر فجأة بين حدود بعض البلدان العربية المجاورة. وفي أجواء القلق والتهديد والخوف من المستقبل كيف يمكن لشعوب المنطقة ومجتمعاتها المدنية أن تضمن الاستقرار والأمن الذين يشكلان شروطا ضرورية لإقامة العدل والديمقراطية.

- التحدي الثالث له صلة عضوية بالتحديين السابقين، حيث أنه في غياب نظام عالمي قائم على العدل والديمقراطية والمساواة بين الشعوب، ويفتقر للتعددية وسلطة القانون والشرعية والتوزيع العادل للثروات، تصبح مختلف الساحات المحلية والإقليمية والدولية مهيأة لتفريخ العنف والتطرف والغلو وانتشار مظاهر العنصرية والتباغض بين الأجناس والدفع نحو الصدام والعداوة بين الثقافات والأديان. وكلما انتشرت حرب العقائد وتعمقت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية من جهة والشعوب والأمم من جهة أخرى، فإن ذلك كله لن يساعد مطلقا على ترسيخ القيم الكونية وتحقيق التعايش ودعم السلم الأهلي والدولي. وهو ما من شأنه أن يعقد من مهام المجتمعات المدنية المحلية، ويجعلها بين فكي الاستبداد الداخلي والفوضى على الصعيد الدولي. ولهذا السبب تبدو الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المنطقة قاتمة وشديدة التعقيد، وهو ما دفع بالأمير الحسن بن طلال إلى القول بأن منطقة الشرق الأوسط في حاجة عاجلة إلى " خطة مارشال " جديدة. وشبه حالة المنطقة بقطار يتجه إلى الهاوية، و " لا يمكن إيقافه عن طريق إضاءة عرباته بالمصباح وإنما عن طريق تبني خطة طموحة ".

الخارج يوفر أيضا فرصا جديدة

مع خطورة هذه التحديات، فإنه يقابلها عدد من الفرص التي يتيحها العامل الخارجي لصالح منظمات المجتمع المدني وقوى الإصلاح في المنطقة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى بعضها:

- شكلت ولا تزال التحالفات التي أقامتها منظمات المجتمع المدني العربي مع المنظمات الشبيهة في بقية أرجاء المعمورة فرصة هامة وتاريخية لدعم صمودها في الداخل، وتطوير قدراتها، واكتساب مزيد من المهارات، وتعزيز مطالبتها بإحداث أكثر قدر ممكن من الإصلاحات. وبالرغم من أن ذلك، لم يؤدي إلى تغيير ملموس في موازين القوى المحلية، إلا أن أسهم بقدر واضح في حماية هذه المنظمات، وجعل منها رقما يصعب التخلص منه بسهولة كما كان الأمر قبل السبعينات من القرن الماضي.

يمكن في هذا السياق التوقف عند تجربة مشاركة المنظمات العربية في المنتديات المدنية الموازية لقمم الشراكة الأورو- متوسطية، التي انطلقت من عام 1995 في برشلونة. لقد وفرت تلك المناسبات – رغم الانتقائية والفوضى التي سادتها- فرصا لهذه المنظمات لتبادل الخبرات وتطوير التعاون ونسج صيغ التنسيق والتحالف مع منظمات المجتمع المدني في دول شمال المتوسط. كما تطور النقاشات داخل هذه المنتديات الموازية، لتتركز بالخصوص على مسائل حيوية مثل المواطنة و والديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان والمسائل المتعلقة بالاستراتيجيات السياسية والبيئة والتنمية والمساواة الثقافية، وهو ما نمى الاستعداد لدى المنظمات العربية في لعب دور متزايد لتحقيق تحولات ديمقراطية ملموسة في المنطقة.

بالرغم من أن عملية برشلونة قد أخفقت، إلا أن المنظمات العربية التي انخرطت في ذلك المسار قد استفادت من التجربة، وأضافت إلى رصيدها الكثير من الخبرة ونسج العلاقات والتحالفات مع جمعيات ومنظمات أوروبية وغيرها، وهو ما كان له الأثر الإيجابي على النضال الديمقراطي في عديد الدول العربية.

ورغم التباينات القائمة بين منظمات الجنوب ومنظمات الشمال، نظرا لاختلاف السياقات التاريخية، فقد أبرزت الممارسة الجماعية وجود قواسم مشتركة يمكن الاستناد عليها لبناء جبهات نضال موحدة. وتم الاهتداء إلى ثلاث منها هي : دعم الديمقراطية، ومقاومة الاحتلال والحروب الأهلية التي " تتسبب في معاناة إنسانية شديدة في المنطقة وتعيق الشروط اللازمة لتنمية المبادئ الديمقراطية " . وأخيرا " التنمية المستديمة القائمة على احترام البيئة الإنسانية ، بما في ذلك مناصرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وفقاً لمعايير وشروط منظمة العمل الدولية ، للتبادل الاقتصادي والاجتماعي المتكافئ "[7]. وبناء عليه تم الاتفاق على وجوب " تكريس اهتمام خاص لتعزيز المجتمعات المدنية في الجنوب "، وبالتالي التأسيس لعمل تضامني يكون أكثر نجاعة. لكن تأثير هده التحالفات على السياسات الحكومية بقي محدودا، لأن الحكومات الأوروبية أو الغربية عموما بقيت مقيدة بمصالحها التي تدفعها إلى تجنب اللجوء إلى ممارسة ضغوط فعلية على الحكومات العربية.

- على صعيد آخر، يوفر الخارج بمفهومه الواسع ومتعدد المستويات نوعا من " رأس المال الرمزي " الذي يعطي فرصة لمنظمات المجتمع المدني، إذا عرفت كيف توظفه، لكي تحول دون الانفراد بها من قبل حكوماتها. هذه الحكومات التي بدل أن تدخل في علاقة تعاون وشراكة مع منظماته المحلية، بقيت تحاول إحكام الحصار عليها، وتهديدها في وجودها، وهو ما جعل هذه الأخيرة تلجأ بالضرورة إلى الرأي العام الدولي، وحلفائها وأصدقائها في الشبكات الدولية لتضمن الحد الأدنى من شروط البقاء والاستمرار. فالعلاقة بالخارج في هذا السياق ليس ارتهانا لقوى أجنبية، ولا هو تنفيذ لأجندات مناقضة لمصالح الشعوب، بقدر ما هو بحث وجهد يبذل في سبيل تحقيق تكامل بين العوامل الداخلية والخارجية، على أن يبقى المحدد في هذه المعادلة المصالح الوطنية ودفع عجلة التغيير في اتجاه إقامة نظام ديمقراطي يحقق سيادة الشعوب ويحمي حقوق المواطنين. ولعل ذلك هو الذي مكن بعض منظمات المجتمع المدني العربية من أن تلجأ أحيانا إلى أسلوب الهجوم بعد أن تعودت على الاكتفاء بسياسة الدفاع. لقد عمدت هذه المنظمات إلى محاولة الاستفادة من الآليات الدولية لممارسة الضغط على حكوماتها، سواء باللجوء إلى مؤسسات الأمم المتحدة مثل لجنة حقوق الإنسان والمفوضية السامة لحقوق الإنسان، أو الهيئات الأوروبية المتعددة مثل البرلمان الأوروبي. ونتفي بالإشارة إلى المحاولة التي قامت بها 44 منظمة عربية غير حكومية تنشط في مجال حقوق الإنسان، حين طالبت في بيان مشترك الأمم المتحدة بعدم قبول عضوية بعض الدول العربية في مجلسها لحقوق الإنسان، نظرا لكون ملفها في هذا المجال لا يؤهلها لذلك.

وجاء في بيان هذه المنظمات أنها تعتبر " الإعلان عن المجلس الجديد يشكل خطوة للأمام، إلا أن مصداقيته وفعاليته تستلزم انتخاب أعضاء لديهم شعور بالمسئولية تجاه القانون الدولي لحقوق الإنسان، واستبعاد الدول الأسوأ في مجال احترام حقوق الإنسان". ولاحظ البيان أيضا أن " معظم حكومات المنطقة العربية تصنف من بين أسوأ دول العالم استهتارا بحقوق الإنسان".

وبالرغم من أن تلك المحاولة لم تحقق الهدف منها، حيث تمكنت الدول العربية المعنية من دخول هذا المجلس، لكن مجرد القيام بمثل هذا التحرك قد أشر بوضوح على جزء من منظمات المجتمع المدني في الساحة العربية قد بدأ يتجاوز الأطر المحلية أو الإقليمية، ويوظف ما يوفره الإطار الدولي من مجالات وإمكانيات من أجل تكثيف الضغط في اتجاه الإصلاح والتغيير الديمقراطي.

3 . ج : المعاهدات الدولية في خدمة التغيير الديمقراطي

تشكل المعاهدات الدولية، إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أدوات هامة يستند عليها المجتمع المدني العربي لإضفاء المصداقية على مسعاه للمساعدة على تحقيق تحولات ديمقراطية في المنطقة العربية. ويتم ذلك من عدة وجوه :

- بالاستناد على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان كما حددتها مجموع الوثائق الأساسية والمعاهدات الدولية، يؤكد المجتمع المدني العربي على انخراطه في مسار عالمي، شاركت كل الشعوب والثقافات في نحته ومراكمة مكاسبه. وبالتالي، فإن زعم الأنظمة والحركات المحافظة بأن الخصوصية تتعارض مع الديمقراطية ومبادئها وآلياتها، يشكل دعوى فاقدة للسند عندما توضع في مقابل الحرية، وتتحول عمليا إلى مجرد غطاء لاستمرار الاستبداد وحرمان الشعوب من ممارسة حقوقها الأساسية.

- تمثل هذه المعاهدات سندا فلسفيا وقانونيا صلبا لمنظمات المجتمع المدني، التي تحتاج لإطار نظري ترتكز عليه، وتصوغ من خلاله خطاباتها الموجهة إلى الجمهور الذي تتعامل معه، وكذلك برامجها العملية المؤدية للتغيير الديمقراطي. وكلما توسع اطلاع هذه المنظمات على هذه الوثائق المرجعية، كلما اختصرت الطريق، وتجنبت التخبط في محاولات ومشاريع غير قائمة على إطار نظري حقوقي متجانس مع مبادئ الحرية والعدل والمساواة.

- توفر المراجع الحقوقية، وفي مقدمتها العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أداة قوية للرد على من يعتبر انشغال المجتمع المدني بقضايا التحول الديمقراطي هو انزلاق نحو الاهتمام بالسياسة، بحجة أن الشأن السياسي مقتصر على السلطة والأحزاب. إن العهدان الدوليان قاما على أساس وحدة الحقوق، وارتباطها بعضها ببعض ارتباطا عضويا لا يجوز الفصل بينها. فكل الحقوق منبثقة من الكرامة المتأصلة في الإنسان كما ورد في ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

- تتمتع المعاهدتان بسلطة معنوية وقانونية بالنسبة لكل الدول التي صادقت عليهما، وهو ما يعطي المجال للمجتمع المدني في أثناء محاولته تحسين الأوضاع الميدانية والتشريعية والهيكلية، لممارسة ضغوط مشروعة على أنظمة الحكم من خلال مطالبتها باحترام تعهداتها الدولية، وإلغاء التعارض بين التشريعات المحلية والتشريعات الدولية.

بالرجوع إلى العهدين الدوليين، يمكن ملاحظة الربط الوثيق بين حقوق الإنسان والديمقراطية. ففي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أشارت الديباجة إلى الحرية المدنية والسياسية المتحررة من الخوف والحاجة " إنما يتحقق إذا قامت أوضاع يمكن من خلالها لكل فرد أن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وكذلك بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافيـة ". فالديمقراطية ليست مقولة جوفاء أو إطار سياسيا بدون محتوى محدد، وإنما هي محصلة الالتزام بمختلف الحقوق والواجبات التي ضبها العهدان. فلا ديمقراطية بدون حرية الاعتقاد والتعبير والتجمع وتكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وفصل بين السلطات وتحقيق استقلال القضاء. وقد اختزلت المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذلك كله في الجملة التالية " حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلاده وحرية اختيار الحكام واستبدالهم ". وقد كان د منصف المرزوقي محقا عندما اعتبر أن الديمقراطية " هي اليوم الجزء السياسي من حقوق الإنسان "[8]. بل يذهب المرزوقي إلى أبعد من ذلك عندما عبر عن اعتقاده بأن الديمقراطية تتعولم، ليس بسبب " الحضارة الغربية الغازية وأيديولوجيتها الليبرالية كما يشيع فوكوياما، و" إنما أساسا عبر حركة حقوق الإنسان التي هي أنشط العناصر وأكثرها صدقا ومصداقية في الوطن العربي "[9].

وجاء العهد الثاني، ليؤكد على أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جزء لا ينفصل عن الحقوق المدنية والسياسية، وبالتالي فإن عدم احترامها لن يحقق الأهداف والغايات التي يرمي إليها النظام الديمقراطي. فانتشار الفقر والمرض والبطالة والجهل والاستغلال وعدم المساواة يفرغ الحريات السياسية من مضمونها، ويحرم المواطنين من ممارسة حقهم في الاختيار والمحاسبة والتداول السلمي على الحكم. بمعنى آخر، الديمقراطية التي لا تلتزم بالعدالة الاجتماعية تتحول إلى نمط من الاستبداد المغلف، ووسيلة لتعميق الفوارق تحت غطاء الحرية.

4 . أداء المجتمع المدني ضمن مبادرات الإصلاح : تقييم وأمثلة

يمكن القول بأن المجتمع المدني العربي بكل مكوناته قد تفاعل مع مبادرات الإصلاح، بما في ذلك المنظمات والقوى التي انتقدت بشدة المبادرات الخارجية. فالجميع استفزته الدعوة إلى التغيير، مما أحدث حالة من البحث ومحاولة التأثير ليكون الإصلاح المنشود في خدمة شعوب المنطقة، ولا يوظف في سياق يمس من سيادة الدول العربية واستقلالها الوطني.

ومما يلفت الانتباه أن أهم مبادرات الإصلاح والإعلانات والوثائق التي صدرت في العالم العربي كانت منبثقة من منظمات المجتمع العربي. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن سنة 2004 قد شهدت لوحدها تنظيم ما لا يقل أربعة مؤتمرات كبرى تمت في صنعاء والاسكندرية وبيروت والدوحة. وأصدر جميعها نصوص هامة ونوعية، سبق أن تم استعراض أهم ما ورد بها من أفكار ومطالب.

رغم هذه الديناميكية النسبية التي تولدت منذ أواسط التسعينات، وتسارعت وتيرتها مع انطلاق ألفية الجديدة، إلا أنها في المقابل قد كشفت مرة أخرى عن حجــم أزمــة " الهوية " التي يعيشها المجتمع المدني العربي. فهذا الكيان الاجتماعي لا يزال يبحث عن تعريف جامع ومتفق حوله يحدد بشكل دقيق مفهوم وحدود " المجتمع المدني ". ومما زاد في تعقيد الحالة، وجود تفاوت كبير بين البيئات العربية، واختلاف السياقات والاهتمامات والأولويات.

مع ذلك، فإن اضطراب المصطلح من جهة، وانخراط بعض الأطراف العربية في التجارب الإقليمية والدولية من جهة أخرى، أعطى فرصة لهذا المجتمع المدني العربي الناشئ والباحث عن نفسه لكي يتطور تدريجيا، ويوسع دائرة أعضائه، متجاوزا بذلك بعض التعريفات الأكاديمية الضيقة. فبعد أن كادت المشاركة تقتصر على المنظمات غير الحكومية، تم إثراءها بالانفتاح على أطراف عديدة مثل النقابات والمنظمات الشبابية والنسائية، والمنتديات الاجتماعية والثقافية وغير ذلك من التعبيرات الحديثة التي أنتجتها المجتمعات العربية في مرحلة التحول التي تمر بها منذ تأسيس " الدولة الوطنية ".

لم يقف تأثير المشاركة العربية في الحراك الإقليمي والدولي عند الجانب البنيوي، ولكنه امتد أيضا إلى المجال الثقافي والسياسي، حيث أصبحت تتمتع عديد منظمات المجتمع المدني العربي بخلفية عامة متقاربة، وتلتقي حول أرضية دنيا من حيث الأولويات والأهداف أو من حيث القيم والأخلاقيات التي يجب الدفاع عنها لحماية المجتمعات المحلية من التصدع والاحتراب الداخلي، أو الانقطاع عن العالم والافتقار للوعي التاريخي. لقد شهدت تلك المرحلة استيعابا متزايدا لفلسفة حقوق الإنسان والقيم المرجعية الكونية من قبل شرائح ومنظمات عربية واسعة. وتجسد ذلك بالخصوص في التعلق بالدفاع عن الحريات الأساسية، والقيم الديمقراطية، ومناهضة الاستغلال والاستبداد، وإدراك لمخاطر التمييز وعدم المساواة بين الجنسين، والإيمان بأهمية الحقوق الثقافية، والدفاع عن الطبيعة والبيئة. هذا التحول الثقافي الهام والنوعي، أثر بوضوح على الحركات السياسية والاجتماعية، ووسع من دائرة اهتمامات المجتمع المدني، وربط العديد من قواه الأساسية ومكوناته الرئيسية بمسألة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.

تلتقي مبادرات المحلية والخارجية حول مجالات رئيسية تعتبرها ذات أولوية في عملية الإصلاح. وهذه المجالات هي : التعددية السياسية، العملات الانتخابية، مشاركة المرأة في الحياة العامة، حرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام، الإصلاح الديني والتعددية الدينية والثقافية.

5 . المجتمع المدني ومبادرات الحكومات : تفاعل ورغبة

هناك مسألتان شغلتا منظمات المجتمع المدني العربي، ولا تزال تثيران الاختلاف والجدل في صفوفه. تتعلق الأولى بتحديد العلاقة مع الحكومات: هل يجوز التعاون معها والقبول بإقامة شراكة مع المؤسسات الرسمية دون فقدان المصداقية والاستقلالية ؟. وتعود هذه الريبة والحذر من التعامل مع الحكومات إلى أسباب متعددة ومتداخلة، لكن يبدو في مقدمتها حرص هذه الأخيرة على توظيف منظمات المجتمع المدني، وإبقائها داخل مربع السياسات الرسمية، وعدم الاعتراف بفضلها وبحقها في أن تبقى مستقلة أو أن تمارس أي نوع من أنواع السلطة المضادة أو الموازية. لكن مع ذلك، فالمتابع لمواقف وتحركات الكثير من هذه المنظمات يلاحظ بكونها تفضل التعاون مع الجهات الرسمية، ويتجنب معظمها أسلوب القطيعة أو المواجهة وانتهاج سياسة الكرسي الشاغر.

إن منظمات المجتمع المدني راغبة جدا في إرساء علاقة حوار وتعاون مع الحكومات. وقد تناولت وثيقة الدوحة هذه المسألة بوضوح. لقد رفضت بشكل قطعي اللجوء إلى الخيار الثوري، واعتبرت أن " الإصلاح التدريجي والسلمي هو الاختيار الاستراتيجي المطروح أمام المجتمعات المدنية العربية ". وبناء عليه دعت المجتمع المدني إلى " أن يعمل رغم كل الصعوبات على تجسير العلاقة مع السلطة السياسية. وهو ما يفرض عليه ابتكار الوسائل الناجعة والفعالة لجعل الأنظمة تنخرط في التغيير". وشجعت الوثيقة من أجل إنجاز ذلك منظمات المجتمع المدني وفعالياته على البحث عن الوسائل المساعدة على التأثير على أصحاب القرار واكتساب القدرة في مجال حسن إدارة التفاوض، نظرا لأهمية ذلك في مراحل الانتقال نحو الديمقراطية. وأشارت في هذا السياق إلى تجارب عديدة أثبتت أن " منظمات المجتمع المدني، قد تنجح في ممارسة الضغط على الأنظمة، ولكنها غالبا ما تتعثر أو تفشل عندما تتهيأ لها الظروف لإدارة تفاوض مباشر مع هذه الحكومة وتلك. فأداء المنظمات المدنية العربية ضعيف في هذا المجال، حيث لا يزال التفاوض خاضعا للظروف المحلية والاجتهادات الشخصية، ولم يتحول إلى اختيار استراتيجي مدروس، ولم يطرح على النشطاء بجدية حتى يصبح آلية هامة من آليات التحول الديمقراطي ".

من جهة أخرى تتقاطع المسألة الثانية التي أثارت الخلاف بين نشطاء المجتمع المدني مع إشكالية العلاقة بالحكومات في عديد الجوانب، وتخص موقف المجتمع المدني من المبادرات الدولية، ومدى الاستعداد للاستفادة منها وقبول الانخراط في البرامج العملية التي اقترحها أصحابها. وإذا كانت مبادرة برشلونة لم تثر كثيرا من الجدل في صفوف نشطاء المجتمع المدني، إلا أن الأمر كان مختلفا مع مبادرة " الشرق الأوسط الكبير " سواء في صيغتها الأولى التي طرحتها الإدارة الأمريكية، أو حتى بعد التعديلات التي أدخلت عليها من قبل مجموعة الدول الثمانية. فبالرغم من أن عديد المنظمات العربية غير الحكومية الفاعلة فضلت الانخراط في هذا المسار، وسعت إلى التأثير فيه والاستفادة من بعض تداعياته، واستثمار الآليات التي أقامها من أجل فك العزلة المفروضة عليها داخل بلدانها، إلا أن منظمات أخرى ذات وزن ومصداقية، لا تزال تدعو إلى مقاطعة كل ما يتعلق بهذا المشروع، اعتقادا منهـا بأنــه " جزء من سياسة الهيمنة الأمريكية " على العالم العربي.

ويمكن رصد تفاعل المجتمع المدني العربي مع المبادرات الحكومية وتقييمها، من خلال التوقف عند عدد من الأمثلة والتجارب.

أمثلـــــة

الانخراط في أعمال منتدى المستقبل

أحدث الجدل الذي دار ولا يزال حول الموقف من قبول الانخراط في أعمال منتدى المستقبل أو مقاطعتها شرخا في صفوف منظمات المجتمع المدني في كثير من البلاد العربية. فبمناسبة انعقاد الاجتماع الأول لمنتدى المستقبل في الرباط بتاريخ 11 ديسمبر 2004، شكلت عديد الجمعيات المغربية " جبهة رفض " للمساعي التي قامت بها جمعيات ومنظمات عربية ومغربية لتنظيم " منتدى موازيا " للاجتماع الرسمي.

رغم هذه المعارضة الشديدة، فقد تمكن " مركز القاهرة لدراسـات حقــوق الإنســان " و" المنظمة المغربية لحقوق الإنسان "، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان " و " الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان " " من تنظيم لقاء في الرباط ما بين 8 و 9 ديسمبر 2004، أطلق عليه " مؤتمر المجتمع المدني الموازي "، وشارك فيه ممثلون عن منظمات وفعاليات قدمت من 13 دولة عربية، إلى جانب حضور 9 منظمات دولية.

ودافع المشاركون عن وجهة نظرهم في بيان أصدروه بالمناسبة، وشرحوا الأسباب التي جعلتهم يقبلون تنظيم هذا المؤتمر الموازي، مؤكدين بالخصوص بأنهم " لا يزعمون أنهم يمثلون مجتمعاتهم، ذلك أن التصويت الحر فقط هو الكفيل بذلك "، في رد منهم على مخالفيهم. وورد في ديباجة البيان أن الهدف من تجمعهم هو " التفاعل الإيجابي مع مبادرة مجموعة دول الثاني بخصوص الإصلاح في العالم العربي، وتقديم رؤى واقتراحات وتوصيات إلى الاجتماع الرسمي الأول للمنتدى من أجل المستقبل ". كما بينوا أيضا بأنهم يؤمنون مثل غيرهم بأن عملية الإصلاح في العالم العربي " عملية داخلية يتولى زمامها كل الفعاليات الوطنية، حكومية وغير حكومية ".

كما دعت المنظمات المشاركة إلى ما وصفتـــه ب " الاشتباك البناء " مع المبادرات الدولية الخاصة بقضية الإصلاح. واعتبرت أن التحويرات التي أدخلتها مجموعة الدول الثمانية على نص الشرق الأوسط الكبير قد " تبنت عددا من أبرز مطالب الشعوب العربية في الإصلاح خلال العود الأخيرة ". وبناء عليها أعلنت هذه المنظمات أن الوثيقة المعدلة الصادرة عن مجموعة الثمانية " تصلح إطارا للحوار والتفاعل ". لكنها وضعت شرطا هو " التعامل مع المجتمع المدني كشريك متكافئ ". وذهبت المنظمات المشاركة إلى حد النظر إلى المنتدى من أجل المستقبل " بوصفه مشروعا لآلية دولية جديدة، تنضم إلى آليات أخـرى ( مثل هيئات ولجان الأمم المتحدة، والآلية الأورومتوسطية المنبثقة عن إعلان برشلونة، والآليات الإفريقية كالنيباد واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان ) ". وبالرغم من هذه الآليات جميعا لم تنجح في إنفاذ المبادئ التي بررت وجودها، فإن منظمات المجتمع المدني " تشارك في أعمالها لأنها تتيح لها الفرصة لطرح رؤاها ومقترحاتها لإصلاح الأوضاع في بلادها، وبحضور ممثلي الحكومات ". كما أكدت أيضا في بيانها الصحفي على أن هذا الاستعداد للتعاون " ينبع من الالتزام بالعمل من خلال جميع الآليات المتاحة من أجل المساهمة والمشاركة في تحقيق الإصلاح الجاد والحقيقي في كل دولة، وذلك من موقع مستقل ذاتي وفي إطار جدول أعمال وإستراتيجية ساهم المجتمع المدني في بلورة مبادئها وعناصرها في السنوات الأخيرة، عبر إعلانات ومشاريع وبرامج عمل عديدة ". ومن هذه الزاوية طرحت المنظمات المشاركة السؤال التالي: هل سيتمتع " المنتدى من أجل المستقبل " بفعالية حقيقية أم أنه سيحول إلى منتدى للعلاقات العامة والحديث المكرر عن أهمية الإصلاح وتبادل المصالح على حساب قضية الإصلاح ذاتها ؟ ".

إن أهم ما ميز مؤتمر الرباط الموازي إعلاميا وسياسيا، هو الوفد الذي انبثق عنه وتشكل من ممثلين عن المنظمات المشاركة. وقد سمح لهذا الوفد بعرض مطالب المجتمع المدني العربي على وزراء الدول الأعضاء خلال اجتماعهم الرسمي. واعتبرت تلك العملية الرمزية أول فرصة يضطر فيها ممثلو الحكومات العربية إلى الاستماع إلى مطالب مجتمعاتهم المدنية في لقاء رسمي عالي المستوى. وقد انقسمت هذه المطالب إلى قسمين، بعضها موجه إلى الخراج، ومعظمها وجه إلى الداخل.

تمت مطالبة حكومات دول الثمانية ب " التخلي على إتباع المعايير المزدوجة تجاه كل قضايا العالم العربي، وانتهاكات مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في كل دولة، واتخاذ مواقف معلنة جماعية ومنفردة إزاءها، بما في ذلك المساهمة في مراقبة الانتخابات العامة ومحاكمات الرأي، وربط مستوى علاقات التعاون السياسي والاقتصادي بمعدل السير في طريق الإصلاح، ومدى وفاء كل حكومة بالالتزامات التي تقطعها على نفسها ". وهو أمر أثار انزعاج الحكومات، ورأت فيه " استئسادا " من قبل هذه المنظمات بالخارج، وتحريضا للدول الغربية عليها.

كما اعتبر بيان الرباط أن " تفعيل دور منتدى قمة الثمانية من أجل المستقبل، وتفعيل دور المجتمع المدني في المنتدى هما مهمتان مترابطتان تتطلبان التعامل مع المجتمع المدني كشريك متكافئ على قدم المساواة في كافة مراحل التحضير لاجتماعات المنتدى، وخلال اجتماعاته، بما في ذلك توفير المقومات اللازمة لمناقشة معمقة لرؤى ومقترحات وتوصيات المجتمع المدني، و التزام الحكومات العربية بعدم التحرش الأمني بمنظمات ووفود المجتمع المدني المشاركة في المنتدى وكل الملتقيات الدولية ".

وتمت دعوة كل نظام عربي إلى إجراء " حوار جدي ومتكافئ مع المجتمع المدني حول سبل تنفيذ خطط الإصلاح والجداول الزمنية المناسبة ". واعتبرت المنظمان أن مثل هذا الحوار " لا يجب أن يشترط وجود وسيط من دول الثمانية لكي يدور ". كما طالبت رؤساء الدول الثمانية ووفودها الرسمية بان يحرصوا عند زيارتهم للدول العربية، على عقد الاجتماعات مع فعاليات ومنظمات المجتمع المدني في هذه البلدان.

وقامت هذه المنظمات بمزيد إحراج الحكومات العربية، عندما اعتبرت بأن الاختبار الحقيقي لصدق نواياها تجاه قضية الإصلاح هو أن" تعلن هذه الحكومات الآن من الرباط، التزامها بالقيام بالمراجعة الفورية للقوانين الحاكمة لتأسيس ونشاط المجتمع المدني، وإعادة تكييفها على ضوء المعايير الدولية، ووقف محاكمات الرأي، والإفراج عن دعاة الإصلاح ". كما دعتها إلى الاتزام ب " قواعد الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد و " تأكيد ارتباط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي الشامل القائم على احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان ".

أما على الصعيد العملي، فقد طالب المؤتمر الموازي بتطوير آليات مشاركة المجتمع المدني في المنتدى من أجل المستقبل، واقترح في هذا السياق عددا من المسائل ذات طابع التنظيمي :

1. زيادة عدد ممثلي المجتمع المدني، وإشراكه في كافة مراحل إعداد جدول الأعمال والاجتماع، وفي كل ما يتعلق بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي.

2. اعتماد الهيكلية التي سينشئها المجتمع المدني للمساهمة في المنتدى من أجل المستقبل، بحيث تصبح قناة توفر متابعة ديناميكية وثابتة ومؤسساتية مع مجموعة دول الثمانية وحكومات المنطقة حول تطور قضية الإصلاح.

3 . إنشاء مرصد الإصلاح الديمقراطي لقياس مدى تقدم الدول العربية في عملية الإصلاح الديمقراطي، ومدى مساواة المرأة ومشاركتها في الحياة العامة، وإصدار تقرير سنوي في هذا الشأن. كما يعمل على مراقبة وتقييم العمليات الانتخابية في العالم العربي وفق المعايير الدولية.

هذا وقد تضمنت الوثيقة الصادرة عن المؤتمر 27 برنامج عمل مقترح على منظمات المجتمع المدني لتنفيذه على المستوى الوطنية والإقليمية العربية والأورومتوسطية لتعزيز الإصلاح.

واستمرت المحاولة

تعرضت صيغة المؤتمر الموازي الأول لمنتدى المستقبل في الرباط لبعض النقد من قبل عدد من منظمات المجتمع المدني لاعتبارات متعددة، بعضها يخص الشكل وطريقة الدعوة والتنظيم وبعضها الآخر يتعلق بالمضمون والتوجه العام، لكنها شكلت مع ذلك سابقة وشجعت على الاستمرار في إعادة المحاولة. وهو ما تم فعلا ممن خلال انعقاد المؤتمر الموازي الثاني في دولة البحرين ما بين 11 و 12 نوفمبر 2005. وقد تشكلت بالمناسبة لجنة تحضيرية ينتمي أعضاءها إلى منظمات المجتمع المدني البحريني، قامت بالإعداد إلى عقد المؤتمر الموازي الثاني بالشراكة مع " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية ". وقد انطلقت هذه اللجنة من إيمان بضرورة تجديد المحاولة، وتوسيع قاعدة وقائمة المشاركين.

كانت مشاركة المنظمات العربية غير الحكومية في اجتماع البحرين أوسع وأكثر عددا، رغم استمرار الخلافـــات في أوساط المجتمع المدني العربي حــــــول " مشروعية " المشاركة في هذه المبادرة من عدمها. أما على الصعيد الرسمي فقد انفض الاجتماع الوزاري دون إصدار بيان ختامي بسبب تحفظ عدد من الحكومات العربية وفي مقدمتها مصر على قرار إنشاء صندوق لتمويل منظمات المجتمع المدني. بمعنى آخر، إن عددا من الحكومات العربية قد أبدت اعتراضها بشكل مباشر أو بطريقة خفية على توفير الوسائل التي تساعد مجتمعاتها المدنية على الاستقلال بقرارها، أو أن تتحول إلى نـــوع من السلطــة الموازيـــة والمضادة. لكن الحكومات التي اعترضت على قرار إنشاء الصندوق، تراجعت فيما بعد، وأيدت الاقتراح.

المشاركة في برنامج تعزيز الحوار

لم يقتصر انخراط جزء من منظمات المجتمع المدني العربي في تنظيم وتنشيط مؤتمرين متوازيين مع اجتماعات المنتدى من أجل المستقبل، ولكـــن شهدت النــدوات الـتي أقامهــــــا " برنامج تعزيز الحوار الديمقراطي "[10] مشاركة مكثفة وملحوظة من قبل عدد واسع من الجمعيات والفاعلين الاجتماعيين. لقد تعاون " مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان " اليمني مع كل من منظمة " لا سلام بدون عدالة " في ايطاليا و" المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية " التركية على تشريك واستقطاب أكبر عدد ممكن من نشطاء المجتمع المدني في العالم العربي.

وتميزت الندوات والمؤتمرات التي أنجزتها هذه المنظمات الثلاث بحضور ممثلين عن الحكومات العربية وبقية دول ما سمي بالشرق الأوسط الكبير. لقد ضمت ندوة إسطنبول حول " تمكين النساء في الحياة العامة والتنمية الديمقراطية " ( 20-21 يونيو 2005 ) أكثر من 120 عضو من منظمات المجتمع المدني وممثلين رسميين من 23 دولة. وأكد المشاركون في هذه الندوة على فكرة رئيسية تقول بأن " التمييز المرتبط بالجنس يشكل عائقا رئيسيا للإصلاح الديمقراطي في المنطقة ". وطالبوا الحكومات باتخاذ الإجراءات الضرورية لدعم وحماية المساواة بين الجنسين. كما نادوا إلى خلق شبكة تواص بين نساء المنطقة.

وحصلت مشاركة شبيهة من حيث الحجم والتنوع في ورشة " التعددية السياسية والعمليات الانتخابية في الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيــا " الـتي نظمت بفينيـسيــا ( البندقية ) ما بين 21 و 23 يوليو 2005. وقد أوصى المشاركون بوجـــوب أن تعمــل الحكومــات علـــى " تكريس إطار أوسع للتعددية السياسية من أجل تسهيل مشاركة حقيقية ديمقراطية حرة ونزيهة ". وأن يمنع " التدخل في الأنشطة المشروعة للأحزاب السياسية وطالبوا ب " إلغاء القوانين التي تحد من تمويل الأحزاب من الخارج ". كما ألحوا على أن تضمن حكومات المنطقة " عدم تعرض منظمات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيين إلى أية مضايقات أو متابعة تستند إلى أسباب سياسية ". وصاغ المشاركون عددا واسعا من التوصيات الخاصة بدعم دور الأحزاب ووسائل الإعلام من أجل توسيع قاعدة المشاركة السياسية.

بعد ذلك، تسارعت وتيرة المشاورات، واحتضنت العاصمة صنعاء مؤتمرا إقليميا عن " التحولات الديمقراطية ودور المجتمع المدني : نظرة إلى المستقبل " من 19 إلى 20 سبتمبر 2005. وشارك في فعالياته ما لا يقل عن 150 شخصية من 13 دولة عربية، إلى جانب تركيا وإيطاليا وسويسرا. ومن المسائل التي ناقشها هذا المؤتمــر وضــع آليــــات " المنتدى العربي للحوار الديمقراطي " وتحديد أولوياته. ويهدف هذا المنتدى إلى دعم الحوار داخل المجتمع المدني العربي من خلال مشاركة المنظمات غير الحكومية والشخصيات السياسية والفكرية في المنطقة، إلى جانب " تعزيز الشراكة مع الحكـومــات ". بل ويطمـح المنتدى إلى بــلورة " المهام المشتركة لمنظمات المجتمع المدني على الصعيد القومي ".

كما تـمت التوصيــة بـــــأن يتــولى " مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان " في اليمن تنظيم لقاءات المنتدى بشكل دوري، وضبط جدول أعماله والمحاور ذات الأولوية. وفي مقدمة هذه المحاور " إصلاح النظم السياسية والدستورية " و " تمكين المرأة ". ودعي أعضاء هذا المنتدى إلى العمل على إيجاد آليات وطنية، أي منتديات محلية للحوار مع حكوماتها وبرلماناتها وأحزابها من أجل التحول الديمقراطي. وفي هذا السياق تساءل المشاركون : هل حوار منظمات المجتمع المدني مع الحكومات ضروري أم يمكن الاستغناء عنه؟ . واتفقوا على أن هذا الحوار يشكل " ضرورة مدنية وإستراتيجية ". لكنهم في المقابل حثوا الحكومات على احترام استقلالية منظمات المجتمع المدني، وأن تسلم بأن المجتمع المدني " سلطة موازية وشريكا فعلي في وضع السياسات وإدارة الشأن العام ".

في الرباط نظم مؤتمر ضخم أطلق عليه " المناظرة الدولية حول التعددية السياسية والعمليات الانتخابية "، وذلك ما بين 1 و 3 أكتوبر 2005. وشارك في هذه التظاهرة أكثر من 400 مشارك ومشاركة، مثلوا مختلف الأطراف من حكومات وبرلمانات وأحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية ووسائل إعلام وجامعيين. وقد وجدت الحكومات نفسها مدعوة للحضور على قدم المساواة مع نشطاء المجتمع المدني. وقد اعترض الممثل الرسمي لدولة البحرين باعتبارها الدولة التي ستستضيف الاجتماع الموازي لمنتدى المستقبل على انتقادات وجهها أحد النشطاء البحرينيين، وطالب بإسكاته، غير أن هيئة المؤتمر رأت أن من حق ممثلي المجتمع المدني أن يعبروا عن آرائهم بكل حرية، وأن يتولى ممثلو الحكومات الرد وتوضيح المواقف الرسمية. وقد شكل ذلك نوعا من تدريب الرسميين على التحمل والاستماع لانتقادات وملاحظات المنظمات غير الحكومية، والسعي للبحث عما هو مشترك بين الطرفين. من جهتهم لم يعترض ممثلو المجتمع المدني على حرص الحكومات على التنصيص في البيان المشترك بأنه من " حق كل دولة في اختيار وتنمية نظامها السياسي بشكل مستقل وبتعزيز الإصلاحات المنسجمة ووتيرتها وإمكاناتها وخصوصياتها الوطنية "، لكنهم اشترطوا إضافة " في إطار احترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " حتى لا تتحول الخصوصية إلى غطاء للتهرب من الإصلاحات.

وافق ممثلو الحكومات على التأكيد في البيان الختامي على أن " إسهام المجتمع المدني ، خاصة الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية كمخاطب شرعي في عملية التنمية الديمقراطية، متحملا مسؤولية جليلة إلى جانب الحكومات ". وشددوا على أن " الدور المصيري للمجتمع المدني يشبه التربة الخصبة لنثر بذور مواطنة فعالة ".

وبع نقاش صعب حول مسألة تمويل الأحزاب والمنظمات غير الحكومية، غير أن البيان الختامي أقر بالحاجة إلى " إيجاد مصادر مادية دولية وجهوية لتمويل أنشطة المجتمع المدني في مجال الديمقراطية والإصلاح ". ورحبوا في الختام بمناظرة " الرباط باعتبارها لقاء على أعلى المستويات بين الممثلين الحكوميين وغير الحكوميين من أجل تبادل وجهات النظر حول العمليات السياسية ".

النجاح النسبي الذي تحقق في مناظرة الرباط بين الأطراف الحكومية وغير الحكومية، شجع الجميع على تنظيم مؤتمر في صنعاء ما بين 25 و 27 يونيو 2006، خصص لمناقشة حرية الصحافة والإعلام، لكن ممثلي المجتمع المدني حولوه في النهاية إلى فرصة لتقييم نتائج " المنتدى من أجل المستقبل " بعد سنتين من انطلاقه. ولم يتردد هؤلاء في انتقاد ازدواجية الخطاب والممارسة لدى الحكومات الغربية وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية. كما اتهموا الأنظمة العربية بالمناورة ومحاولة إفراغ الإصلاح من كل محتوى ديمقراطي حقيقي. واعتبر عديد المشاركين أن دور المجتمع المدني في الحوارات التي نظمت طيلة السنتين بالاشتراك مع الجهات الحكومية بقي شكليا. وبلغت درجة الاستياء لدى البعض من ضعف النتائج إلى وصف المنظمات التي قبلت المشاركة في هذا المسار ب" المفعول بهم من غير الحكوميين "، أو " شهود زور ".

لهذا السبب، ما أن أنهى وزير الخارجية اليمني قراءة نص البيان الختامي الذي أعده الطرف الحكومي، حتى تعددت الانتقادات من قبل المشاركين غير الحكوميين، وهو ما دفع بالمنظمين إلى إضافة جلسة أخرى لبرنامج المؤتمر. وفوجئ الرسميون ببيان مضاد قدم باسم المجتمع المدني، تضمن عددا من الملاحظات على البيان الرسمي، إلى جانب مجموعة مطالب. وكاد أن يفشل المؤتمر لولا حرص اليمنيين على إنجاحه. ودارت بين ممثلي المجتمع المدني وممثلي الحكومات، بحضور وزير الخارجية اليمني والمسئول على مؤسسة " ميبي " الأمريكية ( سكوت كاربنتر )، مفاوضات صعبة، انتهت إلى صيغة وفاقية لا تتعــارض بشكل صـارخ مع ما تعتبـره الأنـظمـــــة العربية " ثوابت " تجمع بينها.

لقد رفض الرسميون خلال هذه المفاوضات الربط بين غياب الحكم الرشيد وبين تفريخ التطرف والإرهاب، لأنهم رأوا في ذلك إدانة للمنطقة العربية وإسقاطا للعوامل الخارجية التي لها ضلع كبير في الأزمة الراهنة. وهو اعتراض قبله ممثلو المجتمع المدني، رغم أنه يخفي أو يقلل من أهمية العوامل الداخلية التي تبقى هي الأساس في تفريخ ظاهرة التطرف. واعترض السفير المصري بشدة على مطالبة المجتمع المدني بإلغاء حالة الطوارئ، وأصر على أن تكون الدعوة إلى " إطلاق حرية الإعلام بكل أصنافه المسموعة و المكتوبة و المرئية مع إقرار حق المواطنين في امتلاكها، و وضع حد لاحتكار الدولة لها " مشروطة باحترام القوانين المحلية، وهو شرط رفضه المشاركون ولم يدافع عنه حتى بقية ممثلي الحكومات. ودار سجال أمام الجميع بين السفير المصري ومدير مركز ابن خلدون د سعد الدين إبراهيم، الذي اعتبر بأن المصيبة تكمن في تلك القوانين المحلية التي يدافع عنها السفير. وعندما حاول نشطاء المجتمع المدني تقييد الأنظمة بمدة زمنية لا تتجاوز خمسة سنوات لاستكمال تنفيذ خطة الإصلاح السياسي، أجمع الرسميون على رفض ذلك، لكنهم قبلوا بأن تكــون الصيغـــة أكثـــر تعميمـــا وهـــي " ضرورة وضع جداول زمنية من قبل كل حكومات المنطقة لتحقيق التحول الديمقراطي السلمي ".

كان هذا الجدل المباشر بين غير الحكوميين والرسميين تجربة نادرة في إدارة الحوار والتفاوض بين طرفي المعادلة في الأوضاع العربية المأزومة. وقد حافظ ممثلو منظمات المجتمع المدني على قدر واسع من المرونة، وابدوا حرصا واضحا على الوفاق والقبول بقدر من التنازلات، مع التمسك بحماية سيادة الدول العربية، والاستعداد للأخذ بعين الاعتبار ظروف الأنظمة وعدم الإصرار على لي ذراعها. وكل ما طالب به هؤلاء هو أن تكون حكومات المنطقة مستعدة لمحاورة مجتمعاتها المدنية، والتعامل معها باعتبارها شريكا وليس خصما أو كائنا قاصرا.

من هذه الزاوية يمكن القول بأن مؤتمر صنعاء كان تجربة عملية فريدة في مجال إدارة التفاوض بين المجتمع المدني العربي وحكومات المنطقة. لكن ما كان لها أن تتم لولا تمسك نشطاء المجتمع المدني بحقهم في الدفاع عن وجهة نظرهم، والضغوط التي مارستها الأطراف الحكومية الغربية التي كانت مشاركة في المؤتمر. وهو أمر شبيه بما حصل في الاجتماع الأول لمنتدى المستقبل، حيث لولا الضغط الذي مارسه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، لما تمكن ممثلو المجتمع المدني من تبليغ التوصيات التي صدرت عن المؤتمر الموازي الذي عقد في الرباط.

الموقف من المنتدى الاقتصادي العالمي

لا تزال الفجوة عميقة بين الحركة الاجتماعية العربية والحركة الاجتماعية العالمية، لكن ذلك لا يقلل من أهمية الجهود التي بذلتها ولا تزال عديد الجمعيات والمنظمات والشبكات العربية من أجل ترسيخ الوعي بضرورة الربط وتحقيق التكامل بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي.

كانت منظمات المجتمع المدني العربي تتعامل عن بعد مع " المنتدى الاقتصادي العالمي " الذي يتخذ من مدينة دافوس السويسرية مركزا لعقد اجتماع رفيع المستوى مرة كل سنة. لكن اهتمام هذه المنظمات بلقاء دافوس والقضايا التي يتناولها أخذ يتطور تدريجيا منذ أن بدأ عدد من نشطائها – بفضل شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية - يشاركون في فعاليات المنتدى الموازي في مدينة " بورتو أليغري " بالبرازيل الذي رفع شعار "ثمة عالم آخر ممكن". والمنتدى هو عبارة عن حقل واسع من التجارب، يرسخ تقاليد العمل النضالي المشترك، ويفتح المجال أمام إمكانية بناء نمط اجتماعي إنساني بديل . كما أنه يقدم للنشطاء والفاعلين الاجتماعيين العرب نموذجا للتحرك والتنظيم مختلف تماما عن كل الأشكال المغلقة والأحادية والنمطية التي عرفوها في تجاربهم السابقة، والتي كانت عاملا مهما من عوامل الفرقة والتشتت التي تعاني منها منظماتهم ومجتمعاتهم المدنيـــة. فميثــــاق " بورتو أليغري" يحدد ملامح وخصوصيات هذه المنتديات الاجتماعية، ويعرفها بكونها " فضاء مفتوح للتلاقي بهدف تعميق التفكير والنقاش الديمقراطي للأفكار، وصياغة المقترحات وتبادل التجارب بكل حرية، والترابط بين هيئات وحركات المجتمع المدني التي تعارض النيوليبرالية وهيمنة الرأسمال وكل أشكال الإمبريالية على العالم، والتي تعمل جاهدة من أجل بناء مجتمع عالمي متمحور على الإنسان، وذلك بغية خوض أنشطة فعالة ".

رغم أن المشاركة العربية في هذا التجمع المدني العالمي الضخم لا تزال محدودة مقارنة ببقية الدول والقارات، إلا أنها خلقت خلال السنوات القليلة الماضية حركية بدأت تشق طريقها داخل مختلف أوساط المجتمعات المدنية العربية. فعلى سبيل المثال، شهد المغرب تأسيس " منتدى اجتماعي مغربي " هو الأول من نوعه في البلاد العربية. واستطاع هذا المنتدى أن ينظم دورتين ناجحتين شاركت فيهما عشرات الجمعيات والمنظمات المحلية، وهو ما دفع بالبعض إلى التفكير في ترشيح المغرب لاحتضان إحدى دورات " المنتدى الاجتماعي العالمي " .

في هذا السياق، ومن أجل مساعدة منظمات المجتمع المدني العربي على اكتساب وعي اجتماعي متقدم ومسؤول، بادرت " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية " بمعية " اتحاد المرأة الأردنية " بتنظيم ندوة عربية موازية لاجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في البحر الميت بالأردن. وحظر فعاليات هذه الندوة، التي استمرت ما بين 14 و 15/مايو /2004 ، خمس وسبعون مشاركا ومشاركة ممثلو منظمات غير حكومية عربية من الأردن ، لبنان ، سوريا ،البحرين ، اليمن، فلسطين، المغرب ،تونس والجزائر، إلى جانب ممثلين عن جمعيات للمهاجرين العرب في اوروبا . واعتبر المدير التنفيذي للشبكة العربية زياد عبد الصمد انعقاد هذه الندوة " محطة أساسية في تجربة منظمات المجتمع المدني العربية في مجال مواكبة الأحداث المؤثرة في المنطقة العربية ".

ومما أكسب الندوة أهمية خاصة، أنها حاولت أن تلفت نظر حكومات المنطقة وأيضا القطاع الخاص العربي إلى كونهما لم يشركا المجتمع المدني في مرحلة الإعداد للمؤتمر الاقتصادي العالمي. لقد عهد ل " مجلس الأعمال العربي " الذي تأسس بمنتجع دافوس عام 2003، بمهمة القيام بالدور الأساسي في تحديد السياسات الاقتصادية في المنطقة العربية، وذلك بموافقة حكومات المنطقة وبتزكية من الدول الصناعية الكبرى. وهو أمر أشارت إليه بوضوح " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية " من خلال كلمة مديرها التنفيذي، الذي أكد على أن الأوراق التي قدمها مجلس الأعمال العربي إلى المؤتمر الرسمي، واستعرض فيها وجهة نظر رجال الأعمال العرب حول الإصلاحات الاقتصادية، وتضمنت الخصخصة وتحرير الاقتصاد والإدارة الرشيدة وتنمية القدرات والموارد البشرية مع التركيز في كل هذه المسائل على العلاقة بين القطاعين العام والخاص، " تجاهلت تلك الأوراق دور منظمات المجتمع المدني في كل هذه الأمور، بما فيه المشاركة في صنع القرار بالرغم من أن تجربة المجتمع المدني أساسية لتحقيق هذه الأهداف وهـذا ما هـو مثبـت عالميـا ".

حاولت تلك الندوة أن ترفع إلى الجهات الرسمية العربية والغربية، وكذا ممثلي القطاع الخاص العربي، وجهة نظر مغايرة للكثير من المسائل التي أضفت عليها الليبرالية الجديدة مسحة من " القداسة "، وأدرجتها ضمن المسلمات غير القابلة للتعديل أو المناقشة.

أكد المشاركون في بيانهم الختامي على أن " سياسات منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية المبنية على مبادئ الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق قد ضاعفت من النتائج السلبية على البنى الاقتصادية والاجتماعية ولم تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية عامة وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص ". كما اعتبروا سياسات التكيف الهيكلي التي اعتمدتها البلدان العربية بضغط من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قد " شكلت أحد الأسباب الرئيسية لتأخر التنمية وتفكك البنية الاجتماعية فيها، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وبزيادة معدلات الفقر والبطالة ونمو نسبة الدين العام الى الناتج المحلي ".

وخلافا لما ذهب إليه مجلس الأعمال العربي في الأوراق التي أعدها بالمناسبة، اعتبرت المنظمات المشاركة في ندوة المجتمع المدني، الحريات العامة والديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي والهيكلي " مواضيع أساسية تشكل مطالب جماهيرية، وهي تنبع من رؤية داخلية وتشكل أهدافا لمجتمعاتنا". ووجهت نقدا صريحا وجذريا لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، حين اعتبرت أن الإدارات الأميركيـة المتعــاقبــة " قامت بدعم أنظمة غير ديمقراطية في البلدان العربية، مثلما فعلت في البلدان النامية من مناطق أخرى في العالم ". وأكدت المنظمات المشاركة في هذه النـدوة المـوازيــة عدم اقتناعها بأن الإدارة الأمريكية الحالية " يمكن لها ن تأتي بمشاريع لمصلحة شعوب المنطقة ضحية هذه الأنظمة ".

وبناء عليه اعتبر المشاركون أن المشاريــع الإصلاحيــة المقترحــة، وخاصـــــة ( مبادرة الشرق الأوسط الكبير ) " لا تشكل حلولا وهي غير مقبولة ما لم تنبع من داخل البلدان العربية وما لم تأت إلا وفق آليات داخلية تعبر عن مصالح الناس بمختلف فئاتها الاجتماعية ".

وأكدوا على أن " المدخل السليم لمعالجة الصعوبات والتحديات التي تهدد المنطقة يتمثل بإقامة أنظمة عادلة حيث يتم تداول السلطة بشكل سلمي وتتوازن السلطات التشريعية والتنفيذية وتستقل فيها السلطة القضائية وتحترم الحريات العامة والخاصة وحرية الرأي والتعبير وتعزز فيها حقوق الإنسان ويتم اعتماد أنظمة انتخابية عادلة ومتوازنة تضمن المشاركة الحقيقية تؤدي إلى مسائلة ومحاسبة ومكاشفة ".

ونبه المشاركون إلى أن " التأخر في إقرار اتفاقيات التجارة بين البلدان العربية وضعف التجارة البينية بينها، في حين يصار إلى تسريع عمليات تحرير التجارة وفتح الأسواق أمام المنتجات الأجنبية إنما يؤدي إلى تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد ولا يساهم في تحقيق التنمية. ففي الوقت الذي تسعى فيه الأنظمة العربية إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية، تودع الأموال العربية في المصارف الأجنبية وتستثمر في مشاريع خارج المنطقة وذلك ما يتطلب البحث في أسباب عزوف المستثمرين العرب عن التوطن في بلادهم والبحث عن المعوقات التي تحول دون ذلك ". وأوصوا بإعادة النظر في سياسات التكيف الهيكلي والخصخصة ووضعها في سياق رؤية وأهداف تنموية شاملة بما يخدم مصالح المواطنين. كما نادوا بوضع تشريعات وقوانين تضمن سلامة الاستثمارات وملاءمتها مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية واحترامه لمعايير البيئة والتنمية المستدامة.

هذا المؤتمر الذي عقد بعمان، أبرز مدى الحاجة في أن تلتقي منظمات المجتمع المدني مع ممثلي قطاع الأعمال العرب لتجسير الفجوة القائمة بين الطرفين. فهما يشكلان طرفا المعادلة إلى جانب الحكومات، لكنهما نادرا ما التقيا لبحث لتثبيت الأهداف والقواسم المشتركة التي يمكن أن تجمعها على صعيد واحد. لقد نجحت الأنظمة طيلة الفترة الماضية في احتواء القطاع الخاص، وتجييره لصالح المحافظة على الوضع الراهن. لكن السنوات الأخيرة بدأ يطفو على السطح رجال أعمال أدركوا بأن الديمقراطية ليست مغامرة غير محسوبة، وهي في نهاية المطاف عامل أساسي لتحقيق الاستقرار والتنمية.

لقد أكد مجلس الأعمال العربي في مؤتمره الذي عقده في الأردن خلال شهر يناير 2004، في بيانه الختامي مدى الحاجة إلى الإدارة الرشيدة " كعنصر حاسم في القدرة التنافسية ". وابرز أيضا ضرورة احترام سيادة القانون، وتعزيز الثقافة والمساءلة، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء. وكل هذه المطالب تندرج في صلب اهتمامات منظمات المجتمع المدني. وبالتالي هي تمثل القاسم المشترك بينهما من أجل إرساء تعاون يكون في صالح الشعوب العربية وفي صالح الديمقراطية.

اجتماعات موازية للقمم العربية

تنظيم اجتماعات موازية لمؤتمرات رسمية في أعلى مستوى هو تقليد رسخته قوى المجتمع المدني العالمي في كثير من الدول والقارات، ونقلته منظمات المجتمع المدني العربية التي رأت فيه وسيلة جديدة للتعبير عن مطالبها. وبما أن القمم العربية تعتبر أعلى هيكل يجمع حكام المنطقة، فقد أقدمت بعض المنظمات والشبكات غير الحكومية على تنظيم أكثر من اجتماع مواز.

لقد شهدت العاصمة بيروت تنظيم اجتماعين عقدا بالتوازي مع قمتين عربيتين. تم الأول بالتوازي مع قمة بيروت ( مارس 2002 ) التي تبنت المشروع السعودي للسلام. وتم الاجتماع بمبادرة من " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية "، وخلص إلى رفع رسالة إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بعد أن تم رفض تنظيم تجمع صغير يرفع خلاله بعض الشعارات، ويكون قريبا من مقر القمة.

أما الاجتماع الموازي الآخر الذي احتضنته أيضا مدينة بيروت ( مارس 2004 )، فقد دعا إليه المنتدى المدني بمبادرة من مركز القاهرة لحقوق الإنسان. وكان ينوي المنتدى تنظيم اجتماعه بالتوازي مع قمة تونس التي ألغيت، لكن الجهات الرسمية التونسية أشعرت الداعين بأنها غير موافقة على عقده، مما دفع باصحاب المبادرة إلى نقلها إلى بيروت. وقد أصدر المنتدى وثيقة هامة وشاملة أطلق عليها " وثيقة الاستقلال الثاني".

وعند انعقاد قمة تونس في موعدها الثاني، نظم كل من المعهد العربي لحقوق الإنسان وشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية ندوة موازية تناولت إشكالية الإصلاح بين الداخل والخارج، على جانب إصلاح جامعة الدول العربية، والميثاق العربي لحقوق الإنسان.

في الفترة الفاصلة ما بين 17 و 19 فبراير 2006 عقد المنتدى المدني الموازي للقمة العربية اجتماعه الثاني في مدينة الرباط، بعد أن توقع منظموه أن يمنعوا من تنظيمه بالخرطوم التي احتضنت القمة. وقد عقد المنتدى بدعوة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وبالتعاون مع المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان. وقد قامت المفوضية الأوروبية بدعم الاجتماع، الذي شارك فيه ممثلون عن 50 منظمة من منظمات المجتمع المدني موزعة على 15 دولة عربية. وتمخضت عن المنتدى عدد من التوصيات، تمت إحالتها على الأمانة العامة لجامعة الدول العربية على أمل أن تدرج ضمن جدول أعمال اجتماع القمة العربية التي التأمت على أرض السودان يوم 28 مارس 2006.

خصصت مداولات المنتدى لتقييم " عملية الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي منذ القمة العربية في تونس عام 2004، ومدى إسهام الانتخابات التي جرت في الدول العربية في دفع عملية الإصلاح، إلى جانب ضعف فعالية النظم القضائية في العالم العربي، وما ينجر عنه من الإفلات من المحاسبة نتيجة لذلك ". كما قيم المشاركون أيضا مبادرات وجهود المجتمع المدني والسياسي من أجل الإصلاح السياسي، وكذا تقييم مدى فعالية المبادرات الدولية للإصلاح. واعتبروا أن غالبية حكومات العالم العربي " لم ترتق إلى مستوى الالتزامات التي قطعتها على نفسها في قضية الإصلاح السياسي، والتي عبرت عنها من خلال ( إعلان تونس من أجل تعزيز الحوار الديمقراطي ) ". وهو الإعلان الذي صدر عن قمة تونس.

كما أعرب المنتدى عن أسفه " لأن ما يقارب ربع الدول العربية لا يشهد انتخابات عامة تنافسية أصلا، فضلا عن قلقه العميق إزاء حقيقة أن الانتخابات العامة في الدول التي تعرفها تعاني في أغلبها من انعدام الشفافية والنزاهة، ولا تؤدي إلي تداول السلطة، وذلك علي الرغم من التطورات الإيجابية المتمثلة في الانتخابات الفلسطينية والعراقية واللبنانية". وأكد المنتدى بالخصوص على " أولوية قضية التحول الديمقراطي على جدول أعمال المجتمع المدني " وحث على " قبول النتائج التي تترتب على الانتخابات العامة التنافسية، باعتبارها إحدى آليات التحول، وطالما لم يجر تزوير لإرادة الناخبين ". ودعا الحكومات العربية إلي " إزالة كافة القيود التشريعية والإدارية والأمنية على إنشاء وإدارة المنظمات غير الحكومية والنقابات المهنية والعمالية والأحزاب السياسية، والتخلي عن سياسات التحرش الأمني بالمدافعين عن حقوق الإنسان ودعاة الديمقراطية ".

كما استهجن المنتدى ما وصفه ب" تذبذب سلوك المجتمع الدولي تجاه قضايا الإصلاح السياسي في المنطقة " داعيا الي " الالتزام باتباع معيار واحد تجاه كل قضايا العالم العربي، بما في ذلك القضية الفلسطينية، وانتهاكات مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في كل دولة، واتخاذ إزائها مواقف معلنة جماعية وفردية، والتوقف عن دعم الأنظمة السلطوية في العالم العربي للقيام بدور الشرطي الحارس من الهجرة ومن الإرهاب، وبأساليب لا تخدم مصالح الشعوب، بل تغذي في التحليل الأخير الإرهاب ".

تؤكد الاجتماعات والمؤتمرات المشتركة أو الموازية جزء حيوي وممثل من منظمات المجتمع المدني على التعاون مع الحكومات، وتنظيم حوار دائم معها. لكن ما يلاحظ هو أن التجربة لا تزال في بدايتها، وأن الجهات الرسمية لم تتعود بعد على العمل المشترك مع هيئات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية الديمقراطية والمدافعة عن حقوق الإنسان وهذا ما يفسر عدم سماح مختلف الحكومات، بما في ذلك الجزائر، بتنظيم اجتماعات للمنظمات غير الحكومية بشكل موازي للقمم العربية وفي غرف مغلقة، حتى لا يفسر ذلك بأنه " عمل غير ودي ". لكن الاستمرار في تكرار التجربة، وعدم مقاطعة أية فرصة للمشاركة في عمل شبه حكومي لتبليغ وجهة نظر المجتمع المدنين يندرجان ضمن سياسة الترويض والتدريب من أجل خلق مناخ يساعد على بناء الثقة. كما يعتبر قرار الأمانة العامة بجامعة الدول العربية إرسال ممثلين حضروا كمراقبين في العديد من الاجتماعات والمبادرات التي أطرتها منظمات المجتمع المدني، وخصصت لتناول قضايا الإصلاح والديمقراطية. لكن المنتدى الموازي الأخير، إذ عبر عن تقديره لمشاركة ممثل عن الأمين العام لجامعة الدول العربية للمرة الثانية في مداولاته، إلا أنه دعا الجامعة العربية إلى " فتح أبوابها المغلقة أمام منظمات المجتمع المدني، وألا تقصرها على المنظمات التي توافق حكوماتها على تمتعها بوضع المراقب في الجامعة. وأن تسمح بحضور وسماع وجهات نظر ممثلين عن المنتدى المدني في اجتماعها المقرر بخصوص علاقة الجامعة بمنظمات المجتمع المدني، وفي اجتماعات القمة العربية ". وقرر المنتدى تفويض مركز القاهرة لتشكيل سكرتارية دائمة لهذا الغرض. لكن في مقابل ذلك، هناك منظمات متمسكة بموقف مقاطعة الجامعة، باعتبارها هيكل ضعيف لا حول له ولا قوة، وأن الحوار معه، أو السعي إلى الحصول على صفة المراقب داخل هياكلها، ليس له معنى ولا تترتب عنه أية فائدة.

وإذ لا تزال بعض الحكومات متوجسة من انفتاح الجامعة على هذا الصنف من منظمات المجتمع المدني، إلا أن تغييرا بطيئا بدأ يحصل على الصعيدين المحلي والإقليمي، حيث تعددت الحوارات الوطنية بين الحكام ودعاة الإصلاح في عديد الدول، ما في ذلك دول الخليج العربي.

الانخراط في " منتدى المجتمع المدني الدولي من أجل لديمقراطية "

وفر " المؤتمر الدولي السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة " الذي عقد بالدوحة ما بين 29 اكتوبر و 1 نوفمبر 2006 فرصة لعدد واسع من ممثلي منظمات عربية غير حكومية من التعرف والمساهمة في فعاليات " منتدى المجتمع المدني الدولي من أجل الديمقراطية ". هذا المنتدى يعتبر أحد الأطراف الثلاثة إلى جانب الحكومات والبرلمانات التي تعمل على تعزيز الديمقراطية على مختلف الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وذلك برعاية من الأمم المتحدة. وقد تناول اجتماع قطر الذي نظم تحت عنوان " الديمقراطية طريق السلام " وحظرته ما لا يقل عن 250 منظمة غير حكومية، " تبادل المعلومات والخبرات لإحداث التغييرات الديمقراطية ". وجاء في وثيقة " خطة العمل " التي أقرها المنتدى عام 2003 في ( أولانبتار بمنغوليا ) وقام بمراجعتها في الدوحة، التأكيد على أنه " يمكن تحقيق الديمقراطية بأفضل طريقة من خلال الشراكة الكاملة والفعالة بين كافة المساهمين الملتزمين بالمثل العليا وبأهداف الديمقراطية، لا سيما الحكومة والمجتمع المدني والبرلمان ". كما اعتبرت الوثيقة أنه " من الضروري أن تعمل الحكومات والبرلمانات مع المجتمع المدني كشريكهما الكامل الذي لا غنى عنه . وعلى المجتمع المدني أن يتخطى في تصرفه الانتقاد المحض للحكومة، وأن يتجاوز الدور المكيف وفقا للمطالب ودور الخدمات الذي يقتصر على سد الثغرات المخلفة من قبل المنظمات الحكومية لكي يعمل كشريك ناشط وفعـال ". وأشارت الوثيقة إلى أن الحكم الديمقراطي الفعال والشرعي يتطلب عدة أمور من بينها " الربط المباشر بين عمليات الإصلاح والتحول الديمقراطي والحقوق السياسية والمدنية، وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ". ودعا المنتدى الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار " إعلان عالمي لدعم المجتمع المدني.

هذا وقد وفر " المؤتمر السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة " فرصة جديدة لمنظمات المجتمع المدني العربية، حتى تعمق انخراطها في هذا الحراك العالمي نحو الديمقراطي، والذي اكتسب أهمية خاصة لسببين على الأقل[11]. أولا تبني الأمم المتحدة له، مما أضفى على النضال الديمقراطي شرعية إضافية، وجعل الأنظمة أمام خيار أصبح لا يقبل التراجع أو المماطلة. وثانيا جمع الحكومات والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني في إطار موحد، وهو أمر يحدث لأول مرة بهذه الصيغة وبرعاية أممية. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى انعقاد هذا المؤتمر في عاصمة دولة عربية هي قطر، التي ستتولى رئاسة هذا الفضاء الدولي لسنوات ثلاثة، ليتضح أن المنطقة العربية رغم نزوع أنظمتها نحو الممانعة والتردد، إلا أنها أصبحت بالضرورة جزء من هذا الحراك العالمي، وان التغيير آت حتى ولو تأخرت بشائره.

6. الخاتمة : مقترحات وتوصيات :

يتضح مما سبق عرضه أن المجتمع المدني العربي قد بدأ يخوض عددا من التجارب التي قد تؤهله للقيام بأدوار متقدمة في مجال التمسك بالإصلاح والديمقراطية، لكن الضعف البنيوي الذي يعاني منه نتيجة عوامل متداخلة، لا يزال يحول دون تحقيق ذلك.

بناء عليه نورد في نهاية هذا البحث مجموعة من الاقتراحات التي قد تساعد على تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في إعمال الديمقراطية والإصلاح في المنطقة :

- فتح نقاش معمق وواسع بين مختلف المنظمات الرئيسة أو الفرعية في المجتمعات المدنية العربية حول إشكالية العلاقة بين التنمية والديمقراطية. إذ لا يزال المفهوم التقليدي والسطحي للنشاط التنموي سائدا لدى الأغلبية الواسعة من الجمعيات والمنظمات، وهو ما أسهم بشكل فاعل في عزلها عن مختلف المبادرات الداعية إلى الإصلاح السياسي. فلابد من تحرير هذه المنظمات من هاجس الخوف من الانخراط في عملية التغيير والدمقرطة، بحجة الفصل بين " المدني " و" السياسي ". هناك خلط لدى الكثير من العاملين في مجال العمل الجمعوي بين ضرورة الحفاظ على استقلالية الجمعيات عن السلطة والأحزاب، وبين أهمية الدفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها المدخل للحداثة ولبناء علاقات تفاعلية وجديدة بين السلطة والمواطنين. وبناء عليه، فإن جميع الأطراف المحلية والخارجية المعنية بالإصلاح مدعوة إلى تنظيم حملات واسعة من أجل ترسيخ فكرة أن التنمية الشاملة والمستدامة لا تتحقق إلا بتعزيز الديمقراطية على مختلف الأصعدة المحلية أولا ، ثم الإقليمية والدولية ثانيا. فكلما بقيت أغلب منظمات المجتمع المدني فاقدة لرؤية مجتمعية ذات خصائص ومضمون ديمقراطي، كلما تأخرت مرحلة التحول الديمقراطي.

- تدارك حاجة المجتمعات المدنية العربية إلى تقاليد راسخة في مجال التضامن بين مكوناتها الذاتية. فسياسات الإخضاع والاستتباع التي انتهجتها الدولة تجاه المجتمع عموما ومنظمات المجتمع المدني خصوصا، كادت أن تجعل من الولاء للسلطة هو الهاجس المسيطر على سلوكيات وتوجهات هذه المنظمات وأعضائها وقادتها. وفي غياب التكاتف والتضامن والدعم المتبادل، لن تتمكن هذه الأخيرة من التحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إبلاغ صوتها، والدفاع عن مطالبها، وحماية مصالحها. فالنضال الديمقراطي جهد متواصل، لن يحقق نتائجه إلا إذا صدر عن كتل جماهيرية قوية ومتعاونة فيما بينها. ولذلك يجب أن تبذل جهود كبيرة في المرحلة القادمة من أجل تعزيز التضامن بين المنظمات والهيئات الاعتبارية، تجاوز الخلافات الثانوية بين الفاعلين الاجتماعيين والنشطاء من أجل بناء كتلة تاريخية تكون قادرة على تغيير المعادلات على الصعيدين المحلي والإقليمي.

- تكثيف العمل الجماعي، حيث لا يزال النشاط الفردي أو الخاص يشكل الصيغة السائدة داخل الفضاء الجمعوي العربي. وقد تحول ذلك إلى عامل من عوامل الضعف الذاتي، خاصة في ظل تعدد مظاهر التفكك التي بدأت تشكو منها الكثير من المجتمعات العربية. فعملية التشبيك بقيت محدودة ومحصورة في نطاق ضيق جدا. كما أن محاولات بناء شبكات لا تزال تواجهها صعوبات كثيرة، مما حال دون أن تحقق نتائج فعلية على الأرض. وهو ما يتطلب دراسة الأسباب التي تكمن وراء فشل أو تعثر تجارب التشبيك، والتشجيع على بناء مزيد من الشبكات التي تتمتع بتمثيل حقيقي لقدر أوسع من المنظمات والقوى الاجتماعية الفعلية.

- إشاعة الثقافة الديمقراطية وترسيخها على نطاق واسع. فالنضال الثقافي جزء أساسي وحيوي من النضال المدني. وهو متعدد الجبهات، منها ما هو داخلي موجه للنشطاء أنفسهم، وللمواطنين، ومنه ما هو خارجي يندرج ضمن بذل الجهد لإنجاح حوار الثقافات والحيلولة دون القطيعة وترك المجال للجهل والتعصب. وهذه الجهود تستوجب انفتاحا أوسع من قبل منظمات المجتمع المدني على المثقفين والمبدعين على جاب الاقتراب من التراث الشعبي، والعمل على إعادة تأسيسه وتنقيته. كما يجب الربط بين المدني والثقافي من خلال تشجيع منظمات المجتمع المدني المعنية بالمسألة الديمقراطية على تنظيم المهرجانات الثقافية والفنية، من سينما وموسيقى ومسرح وفكر وفنون شعبية. وتكون هذه المهرجانات فرصة بفتح أبواب المجتمع المدني على بعضه، دون إقصاء أو تمييز، وبالتالي تمكين الجميع من التعارف وتبادل التجارب والخبرات، والتفكير في خلق مبادرات مشتركة.

- التمسك بصيغة تنظيم المنتديات والاجتماعات الموازية للقمم العربية، وغيرها من اللقاءات الرسمية الهامة. إذ لا بد من توفير المجال لإبلاغ صوت المجتمع المدني مهما بدت الظروف غير مواتية. لكن لابد في الآن نفسه من تقييم التجارب السابقة والعمل على تطوير الأشكال وتحسين المضمون، وتوسيع قاعدة المشاركين، وتجاوز الخلافات الهامشية بين المنظمات، والعمل على تأسيس هيئة عربية غير حكومية تتولى توزيع الأدوار وتوفير الإعداد الجيد لهذه الاجتماعات الموازية.

- توسيع دائرة الحوار مع القوى المطالبة بالتغيير في المنطقة من نشطاء وسياسيين ومثقفين ونقابيين وغيرهم. والعمل على إرساء تقاليد حوار بين مختلف مكونات النخبة والمجتمع، لجعل مسالة الإصلاح مطلب الجميع ومهمة كل الفرقاء. ودون التفريط في الاستقلالية والخصوصية، يفترض أن يجري حوار معمق بين منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية الديمقراطية من جهة، وبين الأحزاب السياسية بما في ذلك الإسلاميون المعتدلون والنقابات ونواتات الحركات الاجتماعية والطلاب من أجل التوصل إلى إصدار إعلانات أو مواثيق محلية تتضمن الحد الأدنى المشترك الذي بدونه لن يتحقق تحول ديمقراطي، ولا يقوم نظام ديمقراطي.

- العمل على تأسيس مرصد لمراقبة التحولات الديمقراطية في العالم العربي. ويكون هذا المرصد موضوعيا، ومستقلا عن الأحزاب والحكومات، ويتولى وضع مؤشرات دقيقة تمكن من تقييم محايد لأداء مختلف الأنظمة والجهات المعنية بمسالة الإصلاح. وأن يتولى هذا المرصد إصدار تقرير دوري يعكس مدى نسق التقدم أو التراجع للحالة الديمقراطية في كل بلد عربي.

- الاهتمام الجدي بالمسائل التقنية الخاصة بالتحول الديمقراطي. وهو مجال لا يزال جديدا في العالم العربي، ويتعلق بتوفير الأدوات والمعلومات والخبرات التي تحتاجها منظمات المجتمع المدني خلال المراحل الانتقالية، مثل تقنيات التفاوض، وكيفية إدارة الخلافات أو حل النزاعات، وتحقيق الوفاق. ويعتبر " مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية " الذي تأسس مؤخرا في عمان، أداة مهمة للمساعدة على تلبية الحد من الاحتياجات في هذا المجال.

- تعزيز الحوار مع قطاع الأعمال وممثليه على الصعيدين المحلي والعربي. وعلى منظمات المجتمع المدني بشكل عام، وتلك العاملة في مجال التنمية الديمقراطية بشكل خاص أن تجتهد لإقامة جسور مع مجموعات من رجال الأعمال العرب الذين يظرون الاستعداد للحوار والتنسيق. ويمكن في هذا السياق التفكير في عقد مؤتمر أو ورشة بالتعاون مع " مجلس الأعمال العربي " حول دور القطاعين في الإصلاح الديمقراطي ".

- تعميق إطلاع منظمات المجتمع المدني العربية على تجارب المجتمعات الأخرى، مثل أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، أو بعض الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي. ويمكن تنظيم عدد من الورشات حـــول هذا الموضوع بالتعــاون مع " مركز الكواكبي ".

- تطوير صيغ وآليات التنسيق والتحالفات الدولية، وذلك في ضوء الاحتياجات المحلية والتحديات التي تواجهها قوى الإصلاح والتغيير. والعمل على الاستفادة بشكل أفضل من المنتديات الإقليمية والعالمية التي لها صلة بمسألة نشر الديمقراطية ودعمها.

بذل مزيد من الجهود من أجل إصلاح أوضاع منظمات المجتمع المدني، حتى تكون أكثر شفافية، والتزاما بضوابط وقواعد العمل الديمقراطي. إذ لا يمكن للمنظمات المشوهة أو المريضة أن تكون أدوات ناجعة لإنجاز مهمة الإصلاح في المجتمعات العربية.


[1] المغرب، تونس، الجزائر، مصر، الأردن، سوريا، لبنان، المناطق الفلسطينية

[2] . المنبر غير الحكومي للمنتدى الأورومتوسطي / فبراير 2003

[3] راجع النص الصادر عن " المنبر غير الحومي للمنتدى المدني الأورومتوسطي " الصادر بتاريخ فبراير 2003.

[4] صحيفة الحياة 13 فيفري 2004

[5] الآنسة هبة الشاذلي، نائب المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي للشؤون الدولية" بواشنطن موقع swissinfoبتاريخ 4 يوليو 2004 .

[6] نادية مصطفىن نشرة المجتمع المدني، مركز ابن خلدون، مايو 5005

[7] انظر" الورقة الإستراتيجية " التي تمخضت عن أكثر من اجتماع بين منظمات غير حكومية تنتسب إلى ضفتي المتوسط، عقد آخرها في العاصمة البلجيكية ( بروكسل ) ما بين 31 يناير و 1 فبراية من سنة 2003. وخصص هذا الاجتماع والاجتماعات السابقة لتقييم مسار برشلونة وحصاد المنتديات الموازية، وذلك بمشاركة ما لا يقل عن 40 منظمة من شمال وجنوب المتوسط. وجاءت المبادرة من " منبر المنظمات غير الحكومية ".

[8] . منصف المرزوقي / الإمعان في حقوق الإنسان " موسوعة مختصرة " إشرافا هيثم مناع / الجزء الأول ص 226 / الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق عام 2000 .

[9] . المصدر السابق ص 227.

[10] . هذا المنتدى قد تم تأسيسه بتوصية من منتدى المستقبل الذي يعود له بالنظر

[11] . رشحت المجموعة العربية التي شاركت في فعاليات المؤتمر ممثلين عنها ليكونوا أعضاء في لجنة المتابعة " لمنتدى المجتمع المدني الدولي من أجل الديمقراطية "، وهما زياد عبد الصمد ( من لبنان ) وهو المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، وخديجة الشريف رئيسة جمعية النساء الديمقراطيات ( تونس ).

Réactions :

0 commentaires:

إرسال تعليق