الخميس، 19 مايو، 2011

تلخيص كتاب مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية


الفصل الأول

الأصل الاجتماعي لكلمة " ثقافة " وفكرتها

تطور كلمة "ثقافة" باللغة الفرنسية

كلمة ثقافة هي كلمة قديمة في المفردات الفرنسية ، وهي كلمة تعود في أصلها إلى اللغة اللاتينية ( (Cultura التي تعني رعاية الحقول أو قطعان الماشية .

ما قبل بداية القرن السادس عشر : كانت الكلمة تدل على حالة ، أي حالة الشئ المزروع .

بداية القرن السادس عشر : لم تعد هذه الكلمة تدل على حالة ، بل على فعل ، أي فعل زراعة الأرض . وما سبق يمثل المعنى الحقيقي لهذه الكلمة في تلك الحقبة .

منتصف القرن السادس عشر : أما المعنى المجازي لهذه الكلمة فلم يظهر إلا في منتصف القرن السادس عشر ، حيث أصبح يدل على تثقيف الملكة وتطوير الكفاءة ، لكن هذا المعنى المجازي بقي قليل الشيوع ، ولم يتم الاعتراف به أكاديميا مطلقا ولم يظهر في غالبية معاجم تلك الفترة .

القرن السابع عشر : ظلت كلمة ثقافة بمعناها المجازي قليلة الشيوع ولم تفرض نفسها مجازيا إلا في القرن الذي يليه .

القرن الثامن عشر : هنا بدأت الكلمة بفرض نفسها مجازيا ، ودخلت بمعناها هذا معجم الأكاديمية الفرنسية ومنذ ذلك الوقت أُلحق بها المضاف وصار يقال : " ثقافة الفنون " و " ثقافة الأدب " و " ثقافة العلوم " ، كما لو كان تحديد الشئ المُهَذَّب ضروريا .

وبالتالي فقد ترسخت كلمة " ثقافة " في أيديولوجية [1] عصرالأنوار [2] واقترنت بأفكار التقدم والتطور والتربية والعقل التي كانت تحتل مكان الصدارة في تلك الفترة .

ومما يقال في هذه الفترة أيضا أنها هي فترة انتقال الكلمة بمعناها المجازي إلى اللغة الألمانية لا سيما وأن اللغة الفرنسية كانت علامة مميزة للطبقات العليا في ألمانيا ، كما أن تأثير عصر الأنوار كان له أكبر الأثر في هذا النقل .

نهاية القرن الثامن عشر : وشيئا فشيئا تحررت كلمة ثقافة من مضافاتها ، وانتهى بها الأمر إلى أن استعملت للدلالة على " تكوين " و " تربية " العقل المثقف عن طريق التعلم " . وبهذا اقتربت كلمة ثقافة كثيرا من كلمة حضارة ، والتي تُعرّف بأنها " عملية تحسين المؤسسات والتشريع والتربية " ، فالكلمتان تنتميان للحقل الدلالي نفسه وإن كانتا غير متكافئتين من حيث أن كلمة ثقافة أكثر دلالة على التطورات الفردية ، أما كلمة حضارة فتدل على التطورات الجماعية .

القرن التاسع عشر : اختلف تطور الكلمة في هذا العصر اختلافا كثيرا ، فقد ساد نوع من الانبهار والافتتان إزاء الفلسفة والآداب الألمانية التي كانت في عز ألقها ، مما ساهم في توسيع فهم الكلمة ، وأكسبها " بعدا جماعيا " ، فهي لم تعد تنسب إلى التطور الفكري للفرد فحسب ، بل أصبحت تنسب إلى التطور الفكري لجماعة بشرية معينة ، فظهرت تعبيرات من مثل " ثقافة فرنسية " و " ثقافة ألمانية " و ... وهنا تقترب كلمة " ثقافة " من كلمة " حضارة " كثيرا ، ولطالما استخدمت إحداهما للدلالة على الأخرى .

القرن العشرين : شهد هذا القرن مواجهات سياسية وحروب دامية بين فرنسا وألمانيا ، ولم تكتف الحرب بالوجه العسكري لها بل ظهرت بوجه ثقافي أيضا ، أو ما نعبر عنه بـ"حرب مصطلحات " ، فأخذ كل من الشعبين يزعم الدفاع عن الثقافة بالمعنى الذي يفهمه ، فالفرنسيون يزعمون أنهم أبطال الدفاع عن الحضارة [ أوضحنا سابقا التقارب الكبير بين مصطلحي "ثقافة " و"حضارة " عند الفرنسيين ] ، مما يفسر الانحدار النسبي الذي أصاب فرنسا في بداية هذا القرن عبر استخدامها لمصطلح " ثقافة " .

تطور كلمة "ثقافة" باللغة الألمانية

قبل استعراض مراحل التطور لهذه الكلمة عند الألمان ، لا بد من إلقاء الضوء على الوضع الاجتماعي في ألمانيا في تلك الحقبة . فنقول :

كان المجتمع الألماني - وغيره من المجتمعات الأوربية - ينقسم إلى ثلاث طبقات عامة : الطبقة الأرستقراطية ونعني بها طبقة النبلاء الذين كانوا يعيشون في بروج عاجية بعيدا عن بقية الطبقات ،و تعتبر هذه الطبقة هي المتنفذة في البلاد وهي التي بيدها السلطة بمباركة من رجال الدين . أما الطبقة الثانية فهي طبقة البورجوازية ونعني بها الطبقة المتوسطة والمثقفة في ذات الوقت والمستبعدة عن أي عمل سياسي مما غذى لديها شعورا بالمرارة والنقمة على طبقة النبلاء ، ثم طبقة الرعاع أو الطبقة الكادحة " الفلاحين" التي كانت ترزح تحت ظروف سيئة .

التعارض الاجتماعي بين كلمتي " ثقافة " و " حضارة " عند الألمان : إن التهميش – إن صح التعبير – الذي كانت تعانية طبقة المثقفين من قبل طبقة النبلاء سعى بهم إلى وضع القيم الروحية القائمة على العلم والفن والفلسفة ، وكانوا يعيبون على طبقة النبلاء إهمالهم لهذه القيم وتكريس جل وقتهم لاحتفالات البلاط ، ومحاكاتهم للنموذج الفرنسي في ذلك ، مما مهد لظهور التعارض بين منظومتي القيم السابقة ، فكل ما ينشأ عن الأصالة ويساهم في الإغناء الفكري والروحي سيعتبر ناجما عن الثقافة ، أما المظاهر البراقة والخفة والتهذيب السطحي فينتمي إلى الحضارة ، وهكذا فقد كانت الطبقة المثقفة تنظر لطبقة النبلاء على أنها طبقة متحضرة ولكن ليست مثقفة ! . وعبر عدة أحداث متلاحقة تعدى هذا التعارض من مجرد كونه تعارض اجتماعي إلى تعارض وطني أو قومي .

تأثير الثورة الفرنسية على انحسار مصطلح " حضارة " عند الألمان : بعد اندلاع الثورة الفرنسية[3] ، أصبح إطلاق كلمة " حضارة " تذكر بفرنسا والقوى الغربية بشكل واسع ، مما جعل كلمة " ثقافة " تتحول من كونها علامة مميزة للبورجوازيين إلى علامة مميزة للأمة الألمانية كلها .

وفي أعقاب هزيمة الألمان أمام قوات نابليون[4] شهد الوعي الألماني انبعاث النزعة القومية الألمانية التي لم تقتصر على التشديد على أصالة الثقافة الألمانية ، وإنما على تفوقها أيضا .

الفصل الثاني

اختراع المفهوم العلمي للثقافة

سبق وأن أشرنا في الفصل الأول ، إلى التطور التاريخي الذي شهدته كلمة " ثقافة " ، وفي هذا الفصل سيكون الحديث عن " اختراع المفهوم العلمي للثقافة " .

س1/ دخل مفهوم الثقافة بشكل لا مثيل له في مختلف البلدان [ أي أن الأمر لم يعد قاصرا ً على فرنسا وألمانيا كما في الفصل الأول ] ، فما الذي يفسر ذلك ؟ .

ج/ إن ما يفسر ذلك هو ولادة علم الإتنولوجيا [5] ودخوله إلى العديد من البلدان ، ذلك العلم الذي أولى اهتماما ً كبيرا ً لدراسة الوحدة والتنوع في الجنس البشري ، ما يجدر ذكره هنا ، أن علماء الإتنولوجيا أرادوا تفسير هذه الوحدة والتنوع من الجانب الثقافي للشعوب ، وهذا ما جعل مفهوم الثقافة يدخل إلى العديد من البلدان بمجرد دخول الإتنولوجيا .

تايلور والمفهوم العالمي

س2/ في إطار جهود علماء الإنسان ، ظهر تعريف عالمي للثقافة اعتبر – في حينه- أحد أهم التعريفات ، فما هو ذلكم التعريف ؟.

ج/ لا شك أنه تعريف العالم البريطاني " إدوارد تايلور " الذي عرفها بأنها : " ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع " ، ومما يلاحظ على هذا التعريف ما يلي :

· أنه تعريف وصفي وموضوعي وليس تعريفاً معيارياً ، وهذا ما كان يسعى إليه علماء الإنسان بشكل عام .

· يعبر عن نظرة شمولية للحياة الاجتماعية للإنسان .

· أن الثقافة وفق هذا التعريف تكتسب بعدا ً جماعيا ً ( باعتباره عضوا ً في مجتمع ) .

· أن الثقافة في نهاية مكتسبة، وبالتالي فهي لا تنشأ عن الوراثة البيولوجية [6]

ما يجدر ذكره أن تايلور كان مترددا ً في تعريفه بين كلمة ثقافة وحضارة ، وهذا التردد كان هو الطابع العام في تلك الفترة ، وإن كان في النهاية فضل استخدام كلمة " ثقافة " لأنه كان يرى أن استخدام كلمة " حضارة " بما تشير إليه من منجزات مادية لا يمكن في إطار دراسة المجتمعات البدائية .

وبالمناسبة ، فإن تايور تطوري النزعة ، أي من المتأثرين بالنظرية التطورية التي تقول بالتطور من البسيط إلى الصعب ومن الأسفل إلى الأعلى ،ومن اللا معقول إلى المعقول ، ومن المعقد إلى الأشد تعقيدا ً وهكذا ... ، بل حتى فكرة وجود الإله يرى أنها متطورة في مراحل عديدة كانت بدايتها الأحلام والرؤى التي أوحت للإنسان بوجود عالم الأرواح ، وإلى جانب ذلك فالتطور لديه ولدى غيره من دعاة التطورية حتمي لا قبيل لنا برده ، وهذه النظرية تحتاج من المسلم الفطن يقف أمامها موقفا ً طويلا ً للتأمل ! .

س3/ ما مدى تأثير تلك النزعة التطورية لدى تايلور على نتاجه الثقافي ؟ .

أما عن تأثير ذلك على نتاجه الثقافي فقد كان يحاول الربط بين الثقافة البدائية والأكثر تطورا ً – بالطبع سيلجأ إلى المنهج المقارن – باعتبار الثانية متطورة من الأولى ، كذلك كان يحاول الربط بين البدائيين والمتحضرين ، وأنه لا فارق بينهما من حيث الطبيعة ، وغنما الفارق هو من حيث ترتيب كلاً منهما على سلم التطور الثقافي ، وناضل في إطار ذلك ضد النظرية القائلة بانحطاط البدائيين .

س4/ وضع تايلور في بعض الحالات فرضية انتشارية ، فما معنى هذه الفرضية وما الذي حمل تايلور على وضعها ؟.

لقد بات من السهل الآن تفسير النظرية الانتشارية التي تعني : انتقال السمات الثقافية بطريق مباشر أو غير مباشر ، عن طريق عدة عوامل ، منها : الهجرة أو الإيحاء أو الاستعارة أة غيرها . [انظر قاموس علم الاجتماع د.محمد عاطف غيث – مصطلح انتشار Diffusion - ] .

وكثيرا ً ما كان تايلور يشبه الثقافة بالنباتات التي تتصف بالنتشار أكثر من كونها تتطور ، ويرى بأن الناس قد أخذوا من جيرانهم أكثر مما اخترعوا أو اكتشفوا بأنفسهم .

Zone de Texte: سلم التطور الثقافيفي الواقع إن تايلور لم كن مقتنعا ً باطّراد التطور الثقافي في جميع الأحوال فقد اعترف بوجود حالات من الركود والارتداد الثقافي ، وقد لاحظ أن مجرد تشابه سمات ثقافية[7] بين ثقافتين مختلفتين لا يكفي وحده لإثبات أن هاتين الثقافتين كانتا تحتلان نفس النقطة في سلم التطور الثقافي وقد انتقلتا على نقطة أعلى ! ، بل قد تكون هناك عملية " انتشار للسمات الثقافية " من إحدى هاتين الثقافتين نحو الأخرى ، بمعنى أنهما لم تسيرا في مسار متوازي من حيث التطور الثقافي .

ثقافة أ

Flèche gauche: انتشار
Zone de Texte: حالة ركود
Zone de Texte: حالة تطور

ثقافة ب

ثقافة أ

خلاصة ما سبق : يعد تايلور مخترع المفهوم العالمي للثقافة .

بواس والمفهوم الذاتي

س4/ كيف توجهت اهتمامات بواس إلى الأنثروبولوجيا بعد أن كان باحثا ً جغرافيا ً ؟.

ج/ كان ذلك حين شارك شارك في بعثة إلى أرض بافن في بلاد الإسكيمو، باعتباره جغرافيّاً مثقلاً باهتمامات رجل الجغرافيا(كان الموضوع المطلوب هو دراسة أثر الوسط المادي على مجتمع الإسكيمو)، فلاحظ أن تأثير الثقافة على ذلك المجتمع أكثر بكثير من تأثير الوسط المادي الذي قد ذهب لدراسته أصلا ً ، وبالتالي عاد إلى ألمانيا عازماً على تكريس بحوثه، من الآن فصاعداً، للأنثروبولوجيا بشكل أساسي. ومن هنا كانت بداية بواس بقيامه باستطلاعات ميدانية لوصف المجتمعات البدائية .

س5/ كيف كان بواس ينظر إلى الاختلافات القائمة بين الجماعات البشرية ؟.

ج/ كان يعتبر أن الاختلاف الأساسي القائم بين الجماعات البشرية هو اختلاف ثقافي وليس اختلافاً عرقيّاً ، لا سيما أنه قد واجه ما يمكن تسميته بالاضطهاد العرقي أو التمييز العنصري باعتباره يهوديا ً .

س6/ ماهي أهم الأفكار التي تصدى بواس لمهاجمتها ؟.

ج/ أولى تلك الأفكار :

1. فكرة العرق – وقد بينا قبل قليل سبب ذلك - .

2. فكرة وجود علاقة بين السمات الفيزيائية (الشكلية أو الجسدية ) والسمات العقلية ، وهي امتداد لفكرة العرق كما هو واضح .

3. مهاجمة الاتجاه التطوري وحيد الاتجاه وما يتبعه من مصطلح " التحقيب " – أي تقسيم التاريخ إلى حقب زمنية تمثل كل منها مرحلة منن مراحل التطور - .

4. حذره من من الأطروحات الانتشارية المزعومة القائمة على إعادة البناء التاريخية .

وهكذا نلاحظ أن بواس يتحدث عن "ثقافات " ، بخلاف تايلور فهو يتحدث عن " ثقافة " واحدة تسعى كل الثقافات عبر مراحل التطور إلى التماهي معها ، إلى جانب أن بواس كان يرفض أي تعميم يخرج عن إطار ما يمكن توضيحه تجريبياً فلقد كان بواس شكاكاً ومحللاً أكثر منه منظّراً، ولم يطمح أبداً إلى تأسيس مدرسة فكرية.

س7 / ماذا تعني " النسبية الثقافية " عند بواس ؟.

ج/ ربما يكون من أفضل إسهامات بواس ذلك المفهوم الأنثروبولوجي للنسبية الثقافية ، حيث إنها تضم عند بواس ثلاثة أوجه :

1. مبدأ منهجي : للإفلات من كل أشكال العرقية المركزية [8]وذلك يعني أن تدرس الثقافة دون النظر إلى الأفكار المسبقة عنها أو مقارنتها بغيرها .

2. مبدأ إبستولوجي –معرفي - : بمعنى أنه لا يمكن فهم ظاهرة ثقافية معينة أو جانب من جوانب الثقافة (اللغة –أشكال الزواج) إلا بردها إلى السياق الثقافي العام الذي تظهر فيه أي إعادة وصلها بالمجموع الذي ترتبط به .

3. مبدأ أخلاقي : يؤكد قيمة كل ثقافة وينادي بالاحترام والتسامح إزاء الثقافات المختلفة .

نخلص من كل ما سبق : إلى أن تايلور (البريطاني ) كان صاحب التعريف العالمي للثقافة ، أما بواس (الألماني )فكان صاحب التعريف الذاتي للثقافة [9]، ولكن ماذا عن فرنسا واختراع المفهوم العلمي للثقافة ؟ . لقد كان ذلك على يد اثنين من علمائها الأنثروبولوجيين وهما :

1. دوركايم – صاحب التعريف الواحدي - .

2. لوسيان ليفي – صاحب التعريف التفاضلي - .

المفهوم العلمي للثقافة في فرنسا

علمنا مما سبق أن فرنسا لم تكن تستخدم كلمة " ثقافة Culture " إلا بمعنى ضيق جدا ً ، وكانت تستخدم عوضا عنها كلمة " حضارة Civilisation " فكيف يمكن الحديث عن اختراع مفهوم علمي للثقافة في فرنسا ! .

لقد ظهر مفهوم الثقافة وبدأ يلمع نجمه في فرنسا بشكل تدريجي ، وكان الحديث الأبرز لظهور هذا المفهوم هو موجة الهجرة التي شهدتها البلاد في الثلث الأول من القرن التاسع عشر والذي وضع فرنسا أمام تعددية ثقافية لا يمكن تجاهلها وبالتالي حتم عليها أن تقوم بسياسة إدماجية لهؤلاء في نموذجها الثقافي المركزي ، ثم أعقب ذلك استقلال الإتنولوجيا عن علم الاجتماع حيث أصبحت لها أدواتها المفهومية الخاصة ومن بينها كلمة " ثقافة " .

الآن وبعد ظهور المصطلح بات من الممكن الحديث عن اختراع المفهوم العلمي للثقافة عن طريق :

1. دوركايم والمقاربة الواحدية للوقائع الثقافية

ينبغي أن نعلم أن دوركايم كان عالم اجتماع أكثر من كونه عالم أعراق ، ولم يكن يصرح باستخدامه لمفهوم " الثقافة " ليس لأنه لم يكن مهتما ً بالقضايا الثقافية ، بل لأنه كان يرى أن القضايا الاجتماعية تنطوي بالضرورة على بعد ثقافي ، حيث كان عمله منصبا ً على فهم الرابط أو العامل الاجتماعي في كل ابعاده ومظاهره بما في ذلك البعد الثقافي . إلى جانب ذلك كان يهوديا ً علمانيا ً ، لذا فقد تأثر بالنظرة المادية للوجود – والتي قال بها علماء سابقون – أو ما يعرف بـ " وحدة الوجود " [10] ، والتي قادته على أن يلغي الإله – تعالى الله عما يقولون – ويخلع صفاته وقدراته وحقه في التشريع على المجتمع ، فأصبح لديه ما يعرف بـ " العقل الجمعي " ، والذي يعني جعب المجتمع بمثابة السلطة العليا التي توجه سلوك الأفراد وتجبرهم على ذلك ، وكان يرى أنه – أي العقل الجمعي – هو الكفيل بتحقيق وحدة المجتمع وتجانسه . وقد كان ممن تأثر بالنظرية التطورية ، فلذلك وبناء على علمانيته فقدد طبق فكرة " العقل الجمعي " على الدين ، فجعل الدين مجرد ظاهرة اجتماعية ، فإذا ما قال العقل الجمعي يوما ما بأنه يجب ألا يكون هنالك دين ، فإن الأفراد لا يملكون إلا الانصياع لذلك .

أما عن علاقة كل ذلك بنتاجه الثقافي ، فلا شك أن فرضيات العقل الجمعي مارست تأثيرا ً كبيرا ًعلى نظرية الثقافة باعتبارها " هيئة عليا " قادرة على توجيه الأفراد للوجهة المطلوبة .

2.لوسيان ليفي والمقاربة التفاضلية

إن الإتنولوجيا الفرنسية، في بداياتها وعبر اثنين من مؤسسيها كانت تتردد بين مفهومين للثقافة : الأول واحدي ( دوركايم ) ,الثاني تفاضلي (لوسيان ليفي ) وقد بلغت المواجهة بين هذين المفهومين عبر مناقشات علمية أشدها ، الأمر الذي ساهم كثيراً في تطوير الإتنولوجيا الفرنسية .

وضع ليفي قضية التباين الثقافي في مركز تفكيره.وتساءل عن الفروق القائمة بين "العقليات" التي يمكن أن تكون موجودة بين الشعوب والتي تفسر التباين الثقافي بينهم [ كأن ليفي يعيد أسباب التباين الثقافي إلى التباين العقلي ] ، وخلافاً لما عُرف عن أعماله فقد تبين أنها لم تكن تنبع من مركزية عرقية .وقد أُلحقت بها هذه الصفة للتقليل من أهميتها ، لا سيما وأن هذه المحاولة منه لتفسير التباين الثقافي قد تناقضت مع مفهوم العالمية "المجردة" لعصر الأنوار ومع مبادئه الأخلاقية التي كانت تشكل إطاراً مرجعياً لأغلب المثقفين الفرنسيين في بداية القرن.

الفصل الثالث

انتصار مفهوم الثقافة

س1/ شهدت كلمة " ثقافة " في أمريكا نجاحا ً منقطع النظير ، مالسبب ؟.

ج/ لأن أمريكا كانت بلدا يضم المهاجرين من مختلف الأصول الثقافية ، فالمواطن الأمريكي هو مهاجر ، أو ابن مهاجر ، هذا التباين الكبير في الثقافات مهد للحديث عن التباينات الثقافية واحتكاك الثقافات ، الذي انصرف جل اهتمام الأنثروبولوجيا الأمريكية إليها ، وهي التي وصفت بـ " الثقافوية " على وجه التحقير لها .

س2/ يعد علم الاجتماع الفرنسي متأخرا ً –نوعا ما – في دراسة التنوع الثقافي إذا ما قورن بعلم الاجتماع الأمريكي ، ماالسبب الكامن وراء هذا الفارق ؟ .

لأن فرنسا لم تكن بلد هجرة بالدرجة التي كانت عليها أمريكا ، أضف إلى ذلك تمجيد الحضارة الفرنسية .

س3/ مثلت الثقافويات الأمريكية مقاربات نظرية متباينة يمكن جمعها في 3 تيارات كبرى ما هي ؟

1. مدرسة " التاريخ الثقافي " : وهو التيار الذي ورث تعاليم بواس بشكل مباشر، وينظر إلى الثقافة من زاوية التاريخ الثقافي .

2. مدرسة " الثقافة والشخصية " : والتي تهتم بتوضيح العلاقات القائمة بين الثقافة (الجماعية) والشخصية (الفردية) .

3. مدرسة " الاتصال التفاعلي " : التي تعد الثقافة منظومة اتصالات بين الأفراد .

أولا ً : مدرسة التاريخ الثقافي

س1/ ماالوظيفة التي قامت بها هذه المدرسة ؟.

تقوم الفكرة على دراسة التوزع الفضائي لسمة ثقافية أو أكثر في ثقافات قريبة من بعضها وتحليل عملية انتشارها عن طريق دراسة وتحليل تطورها التاريخي ، وفي الحالة التي يكون فيها تلاق كبير بين السمات الثقافية المتشابهة، يمكن الكلام عن"مجال ثقافي" .

س2/ ما هي أهم الإيجابيات والميزات التي تحسب لهذه المدرسة ؟ .

ج/ من أهم هذه المزايا :

1. التراكم المذهل للملاحظات التجريبية .

2. المساهمات النظرية لتيار الأنثروبولوجيا الأمريكية الساعي لفهم تشكل الثقافات .

3. وضع المفهوم الأساسي ل"النموذج الثقافي" cultural pattern أو ما يعرف بـ "النمط الثقافي " عند روث بيندكت ومارغريت ميد .

4. فتح الطريق أمام الأبحاث المستقبلية على المثاقفة والتبادلات الثقافية .

س3/ ماهي أبرز ردود الأفعال التي ووجهت بها مدرسة التاريخ الثقافي ؟ .

ج/ لعل من أبرز ردود الأفعال هو رد فعل " مالينوفسكي " الذي وضع تحليلا ً وظيفيا ً للثقافة ، ووقف ضد أية محاولة لتدوين تاريخ الثقافة الشفوية، وطالب بالاكتفاء بملاحظة الثقافات مباشرة في حالتها الراهنة دون السعي إلى تتبع أصولها .كما ويستبعد دراسة السمات منفصلة عن بعضها لأن كل ثقافة تشكل منظومة ترتبط عناصرها مع بعضها البعض. ففي مقابل الانتشارية التي تهتم بالماضي والتطورية التي تهتم بالمستقبل، اقترح مالينوفسكي الوظيفية التي تركز على الحاضر، كما كان يقلل من أهمية اتجاهات التغير الداخلي الخاص بكل ثقافة.ويعتبر أن التغير الثقافي ينشأ أساساَ عن الخارج بفضل الاحتكاك الثقافي .

س4/ وماذا يعني التحليل الوظيفي للثقافة عند مالينوفسكي ؟

ج/ رأى مالينوفسكي أن الأفراد يمكنهم أن ينشئوا لأنفسهم ثقافة خاصة ، تضمن لهم إشباع حاجاتهم الأساسية ، البيولوجية ، والنفسية ، والاجتماعية . ولذلك ربط الثقافة بجوانبها المختلفة المادية والروحية والاجتماعية بالاحتياجات الإنسانية ، مؤلفا ً ما أسماه بـ " نظرية الحاجات " ، فالثقافة لديه كيان كلي وظيفي متكامل ، يماثل الكائن الحي ، بحيث لا يمكن فهم دور وظيفة أي عضو فيه ، إلا من خلال معرفة علاقته بأعضاء الجسم الأخرى ، وإن دراسة هذه الوظيفة بالتالي تمكن الباحث من اكتشاف ماهية كل عنصر وضرورته في هذ الكيان المتكامل .

فمثلا ً عندما يعمد " فرويد " إلى تفسير علاقة الابن بالأم بأنها علاقة جنسية مؤلفا ما أسماه بـ " عقدة أوديب " فإن مالينوفسكي ينظر بنظرة مختلفة فهو يفسر تحريم العلاقات الجنسية بين المحارم بما في ذلك الابن والأم تفسيراً وظيفيا ً فيقول : إن هذا التحريم يمنع ما قد ينشأ من صراعات داخلية بسبب الغيرة والتنافس وهذا ما يحفظ تماسك الأسرة ومن ثم المجتمع ، فهو قد فسر التحريم بوظيفته .

س5/ ما النقد الذي يمكن توجيهه لتفسير مالينوفسكي للطابع الوظيفي للثقافات ؟ .

أولا ً فإن من مزايا هذا التحليل : أنه بين بأنه لا يمكن دراسة الثقافة من الخارج أو عن بعد ، كما قام باستخدام المنهج الاتنوغرافي(وصف الأعراق) المسمى ب"الملاحظة المشارِكة" ، أما أهم ما يؤخذ على هذا التحليل : فهو أنه كا يجهد بتحديد الحاجات البشرية بشكل عشوائي .

ثانيا ً : مدرسة الثقافة والشخصية

س1/ ماالسبب الكامن وراء بروز هذه المدرسة ؟ .

ج/السبب هو أن دراسة الثقافة كانت قد جرت بشكل مجرد، فالعلاقات القائمة بين الفرد مع ثقافته لم تؤخذ بعين الاعتبار !، ولعل " سابير " كان من أوائل الذين شددوا على العلاقة بين الثقافة والشخصية .

س2/ وما هي خلاصة نظرة هذه المدرسة تجاه الثقافة ؟ .

ج/ خلاصة ذلك : أنه لا يمكن فهم أي شخص فهما ً جيدا ً من دون الأخذ في الاعتبار الثقافة التي نشأ عليها ، كما لا يمكن فهم أي ثقافة إلا بمعرفة الأفراد الذين ينتمون إليها ويشاركون فيها . كما أن فرضيتهم الأساسية هي أنه ينبغي على تعددية الثقافات أن ترتبط بتعددية أنماط الشخصية.

ومن أبرز العلماء الذين انخرطوا ضمن هذا التيار :

1. روث بيندكت ومارغريت ميد و " الأنماط الثقافية " .

2. لينتون وكاردينر و " الشخصية الأساسية " .

1.روث ومارغريت و" الأنماط الثقافية "

اشتهرت بينيديكت على وجه الخصوص، باستخدامها المنهجي لمفهوم النمط( النموذج –الشكل العام ) الثقافي ، وهي ترى أن الثقافة تتميز بنموذج pattern خاص بها أي بشكل معين وأسلوب ونموذج خاصين ، وليست مجرد مراكمة سمات ثقافية، إنما هي شكل متجانس لتراكبها كلها مع بعضها البعض ، بالنتيجة فإن الوحدة الدالة التي ينبغي دراستها هي الشكل الثقافي .

وقد توصلتا – بيندكت ومارغريت – من خلال الدراسات الميدانية التي كانت تهدف لتحليل السمات الشخصية للشعوب باستخدام المنهج المقارن ، توصلتا على نتيجة مفادها : لا يمكن تفسير الشخصية الفردية بخواصها البيولوجية(كالجنس على سبيل المثال) بل ب"النموذج" الثقافي الخاص بمجتمع معين .

لينتون وكاردينر و" الشخصية الأساسية "

انتقد كل من لينتون وكاردينر الاختزال الذي كانت تقوم به بيندكت من خلال ربطها الثقافة بنمط ثقافي واحد ، وكانا يؤمنان بأن الثقافة الواحدة من شأنها أن تتضمن في الوقت نفسه عدة أنماط ثقافية . وبطبيعة الحال فكل ثقافة تفضل من كل الأنماط الممكنة نمط الشخصية التي يصبح عندها "عادياً" أي متفقاً مع المعيار الثقافي وبالتالي معترف به بأنه نمط عادي.هذا النمط العادي هو "الشخصية الأساسية" ، أي أن الفرد ينزع – من خلال تجربته الثقافية – إلى تبني الشخصية النموذجية التي ترغب فيها جماعته .

لاحظ : أن هناك اقترابا ً كبيرا ً بين العقل الجمعي عند دوركايم وبين الشخصية الأساسية !.

دروس الأنثروبولوجيا الثقافية

بمعنى ما هو النقد الموجه للدراسات الأنثروبولوجية الأمريكية بشقيه السلبي والإيجابي ...

أما أجدر الانتقادات السلبية فهي :

· أن الثقافوية قُدمت على أنها منظومة نظرية واحدة في الوقت الذي يكون فيه الأصح هو الحديث عن "ثقافويات".

· أنها قدمت مفهوماً سكونياً جامداً للثقافة – وهذا النقد ليس في محله - .

· ما يتعلق بالمقاربة النسبية للثقافات وكيف أنها تشدد على التعددية أكثر من تشديدها على الوحدة .

· أنها لم تنجح في تحديد طبيعة "الثقافة" بشكل نهائي .

أما مزايا الثقافوية الأمريكية فهي :

· مساهمة الباحثين الثقافويين كثيراً في جلاء الغموض القائم بين ما ينشأ عن الطبيعة(عند البشر) وعن الثقافة وكانوا شديدي الانتباه إلى ظواهر خلط الثقافة بالمعنى الحقيقي للعبارة، مبينين أن الجسد نفسه من صنع الطبيعة .[ هذا فيه إشارة إلى عقيدة وحدة الوجود فيحسن التنبه لذلك ] .

· توضيحه – بالذات مدرسة الثقافة والشخصية - أهمية التربية في عملية التميّز الثقافي.فالتربية ضرورية للإنسان وحاسمة بالنسبة له لأن الكائن البشري لا يملك عملياً، أي برنامج وراثي يوجه سلوكه.

ليفي شتراوس والتحليل البنيوي للثقافة ( الوظيفي )

س1/ مالذي حمل المؤلف على إيراد ليفي شتراوس وجهوده الثقافية بعد الحديث عن الثقافوية الأمريكية ، رغم أنه لا ينتمي إليها ؟.

ج/ لقد سبق وأن اطلع شتراوس على أعمال زملائه الأمريكيين ، فقد أقام في الولايات المتحدة فترة طويلة حيث تشرب بأعمال الأنثروبولوجيا الثقافية لا سيما أنثروبولوجيا بواس وكرويبر وبينيديكت.

س2/ كيف ظهر أثر الثقافوية الأمريكية على ليفي شتراوس ؟ .

ج/ يظهر ذلك جليا حين نراه يأخذ من بيندكت أربع أفكار أساسية وهي :

· أولها فكرة أن الثقافات المختلفة تتحدد بنموذج معين pattern.

· والثانية هي أن عدد أنماط الثقافات الممكنة محدود .

· وثالثاً، اعتبار أن دراسة المجتمعات ا"لبدائية" هي أفضل منهج لتحديد التركيبات الممكنة بين العناصر الثقافية.

· وأخيراً يمكن دراسة هذه التركيبات في حد ذاتها بمعزل عن الأفراد المنتمين إلى الجماعة .

س3/ ماهي أهداف الأنثروبولوجيا التي كان ينادي بها ليفي شتراوس ؟.

· الكشف عن "الثوابت" ومن ثم تصنيفها.والثوابت هي المواد الثقافية التي تتشابه دائماً من ثقافة لأخرى .

· العثور على ما هو ضروري للحياة الاجتماعية، أي الكليّات الثقافية أو، بعبارة أخرى، ما قبليات المجتمع البشري.وانطلاقاً من هنا توضع البناءات الممكنة والمحدودة عددياً، للأدوات الثقافية .

الثقافات الفرعية

- الثقافة التحتية .

- الثقافة المضادة .

الثقافة التحتية :

الثقافة المضادة : وتعني ببساطة الوقوف في وجه الثقافة الشاملة وهي في النهاية ليست سوى ثقافة فرعية باعتبار أنها لا تنتج ثقافة بديلة عن الثقافة التي تدينها وتستنكرها .

مفهوم الاستشراك

أما علماء الاجتماع فقد قادهم الحديث عن الثقافات الفرعية على الحديث عن مفهوم " الاستشراك " والذي نعني به : عملية دمج الفرد في مجتمع معين ،

ولكن السؤال هو : كيف تتم عملية الاندماج هذه ؟

- تفسير دوركايم لعملية الاندماج : ينبغي قبل عرض تفسبر دوركايم لعملية الاندماج أن نعلم أن دوركايم ممن يقول بالجبرية الاجتماعية وهي أن الفرد أشبه ما يكون بمسلوب الإرادة أمام المجتمع ولا يملك إلا مطاوعته ، لذا فكان يرى أن المجتمع ينقل إلى الأفراد الذين يتكون منهم، عبر التربية، مجموع المعايير الاجتماعية والثقافية التي تؤمن التضامن بين أعضاء هذا المجتمع وأنهم مجبرون، نوعاً ما، على أن يجعلوا هذا المجتمع مجتمعهم.وبهذا تتم عملية الاندماج .

- تفسير بارسونز : والذي حاول التوفيق بين تحليلات دوركهايم وفرويد.ويرى أن العائلة، وهي أول من يقوم بعملية الاستشراك، تلعب في هذه العملية دوراً كبيراً.لكن علينا ألا نستهين بدور المدرسة أو مجموعة الأقران (رفاق الصف واللعب)ويظن أن الاستشراك يكتمل في سن المراهقة، فإما أن ينجح هذا الاستشراك ويتكيف الفرد مع المجتمع بشكل جيد أو يفشل فينزلق الفرد ربما نحو الانحراف .

- تفسير بيتر بيرغر وتوماس لوكمان : حيث قاما بتمييز "الاستشراك الأولي"(خلال مرحلة الطفولة) و"الاستشراك الثانوي"الذي يتعرض لـه الفرد طيلة حياته البالغة كعملية لانهاية لها في حياة الفرد .

- تفسير روبيرت ميرتون : ميز بين " مجموعة الانتماء " والتي يرغب الفرد في الانتماء إليها والاندماج فيها ، وبين " مجموعة المرجع " التي تمثل مرجعيته الأصلية فوضع مفهوم " الاستشراك الموسع " وقد مثل له بالتغيرات العميقة في الممارسات الثقافية للمهاجرين الإيطاليين في فرنسا،والتي لايمكن تفسيرها إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار الاستشراك الموسع في إيطاليا مضافاً إلى عوامل تغيير أخرى .

ثالثا ً : مدرسة الاتصال التفاعلي(المقاربة التفاعلية )

وتعني أن الثقافة منظومة اتصال بين الأفراد ، وكان سابير من أوائل من عد الثقافة منظومة من هذا النوع ، وقد سُمي الباحثون الذين أخذوا عن سابير هذا التصور بـ " التفاعليين " ثم تبلور ذلك فيما يسمى بـ" أنثروبولوجيا الاتصال " الذي يعير الاتصال غير الكلامي والاتصال الكلامي بين الأفراد عناية خاصة .

المقاربة التفاعليية تقود إلى إعادة النظر في الثقافة والثقافة الفرعية ، فهي ترى أنه من الخطأ اعتبار الثقافة الفرعية مشتقة من الثقافة الكلية ، باعتبار أن الثقافة الفرعية هي : منظومة اتصال بين الأفراد ، ومن الاتصال الذي يحصل بين الثقافات الفرعية تتشكل الثقافة الكلية فالثقافة الفرعية عند التفاعليين تسبق الثقافة الكلية ، فكيف إذن تكون مشتقة منها ، وهي تسبقها في الوجود ؟.

لذا فالتفاعليون لا يرون مصطلح الثقافة الفرعية مصطلحا ً مناسبا ً .

الفصل الرابع

دراسة العلاقات بين الثقافات وتجديد مفهوم الثقافة

رغم أان الأنثروبولوجيين الانتشاريين اهتموا كثيرا ً بظواهر الاقتراض واتشار السمات الثقافية إلا أن جهودهم لم تركز سوى على جانب نتيجة الانتشار ، ولم تصف سوى الحالة النهائية لتبادل ٍ باتجاه واحد ، وهذا يستدعي بالضرورة أنه لا يلزم من الانتشار أن يكون هناك احتكاك مباشر بين الثقافة المعطية والمتلقية .

ولكن ... ماذا عن الحالات التي يكون فيها التبادل ثنائي الجانب – أي في كلا الاتجاهين – وماذا لوحصل ذلك بفعل الاحتكاك المباشر ؟

إنها " المثاقفة " حينئذ والتي تعني : تبادل التأثير الثقافي من قبل ثقافتين تتصلان ببعضهما اتصالاً مباشرا ً ومستمرا ً مهما كانت طبيعة هذا الاتصال وأهدافه .

س1/ ما أسباب تأخر الدراسات المتعلقة بالمثاقفة ؟

ج/ يكمن السبب في خضوع الإتنولوجيين تجت ما يسمى بأسطورة البدائي ، وتعني ببساطة انهماكهم بدراسة المجتمعات البدائية بناء على أن تعريف البسيط أسهل من تعريف المركب وبالتالي فإدراكه أسهل ، والبسيط هنا هي : المجتمعات البدائية ، اما المركب فهي المجتمعات التي ازدادت تعقيدا ً بسبب التطور التدريجي فالمجتمعات البدائية لم تتأثر بالاحتكاك – إن وجد – إلا قليلا ً ، إذ ينظر إلى هذا الاحتكاك على أنه خلط بين الثقافات يفسد نقاءها الأصلي .

اختراع مفهوم المثاقفة

في السابق كان ينظر لعملية المزج الثقافي على أنها أشبه ما تكون بعملية المزج البيولوجي سواء بسواء فهي تشكل لديهم ظاهرة سلبية أو مرضية إلى حد ما ، أما الأنثروبولوجيا فقد كانت تطمح إلى إيجاد وصف موضوعي للمثاقفة بعيدا عن المواقف المبدئية .

ولم تنشأ " المثاقفة " كمصطلح إلى على يد " بوي " ورغم ذلك فلم يتكون التفكير المنهجي إزاء هذا المفهوم سوى في القرن العشرين .

مذكرة لدراسة المثاقفة

شكلت في الولايات المتحدة الأمريكية لجنة لدراسة وقائع المثاقفة وأهم ما صدر عنها ما يلي :

1. التعريف المعتمد للمثاقفة ، وهو : " المثاقفة هي مجموع الظواهر الناتجة عن احتكاك مستمر ومباشر بين مجموعات أفراد تنتمي إلى ثقافات مختلفة تؤدي إلى تغييرات في الأنماط الثقافية الأولية للجماعة أو الجماعات " .

2. التفريق بين المثاقفة والتغير الثقافي : على اعتبار أن المثاقفة شكل من أشكال التغير الثقافي والذي قد ينشأ – أي التغير الثقافي – لأسباب داخلية في الثقافة نفسها .

3. التفريق بين المثاقفة والتماثل : على اعتبار أن التماثل هو ذوبان ثقافة الجماعة نهائيا ً في ثقافة الجماعة المهيمنة .

4. التفريق بين المثاقفة والانتشار : فالانتشار عملية تسير في جانب واحد ولا تستدعي احتكاكا ً مستمرا ً أو مباشرا ً بخلاف المثاقفة فهي تسير بالاتجاهين ( بمعنى أن المجموعة هي معطية وآخذه في نفس الوقت ) وتتطلب الاحتكاك المستمر والمباشر .

5. تصنيف الاحتكاكات الثقافية كالتالي :

- تبعاً لوقوع الاحتكاكات بين المجموعات كلها أو بين سكان بأكملهم ومجموعات خاصة من سكان آخرين(البعثات التبشيرية، المستعمرين، المهاجرين ..)

-تبعاً لكون الاحتكاكات ودية أو معادية،

-تبعاً لكون هذه الاحتكاكات تقع بين مجموعات تتساوى في حجومها، أو بين مجموعات مختلفة الحجوم.

- تبعاً لكون هذه الاحتكاكات تقع بين مجموعات ثقافية ذات مستوى واحد من التعقيد أولاً.

س1/ كيف استطاع باستيد أن يحل إشكالية التخوف من المثاقفة ؟ .

ج/ ذكرنا سابقا أنه كانت- ربما ولا تزال – هناك نظرة تخوف من المثاقفة ، إلا أن باستيد بدد هذه المخاوف عن طريق اقتراحه لمفهوم " الاتجاه أو الميل " والذي يعني : أن الثقافة الأولية تنتخب وتختار عناصر ثقافية معينة وفق ميولها واتجاهها ، وبالتالي فلا مبرر للخوف من غياب الثقافة المقترضة أوتغير منطقها الداخلي .

أما " هيرسكوفيتش "فقد عمق هذا المفهوم من خلال ابتكاره لمفهوم " إعادة التأويل " الذي يعرفه بأنه : " العملية التي يتم من خلالها نسبة الدلالات القديمة إلى عناصر جديدة، أو التي من خلالها تقوم القيم الجديدة بتغيير الدلالة الثقافية للأشكال القديمة ". وهو يعني بهذا أن الثقافة المقترضة حين تقرر اقتراض عنصر ثقافي معين فإنها تعيد تفسيره وفق معاييرها الخاصة بها وضرب على ذلك مثالاً بشعب " الغوكوركاما " الذي اقترض لعبة كرة القدم من المبشرين ولكنه قام بإعادة تأويلها وتفسيرها فحولها من طقس تنافسي إلى طقس هدفه تعزيز التضامن فيما بينهم عن طريق اشتراطهم المسبق بعدم إيقاف اللعب حتى يتم التعادل ، مما يعني أن اللعب قد يستمر لعدة أيام .

س2/ احتل " روجيه باستيد " مكان الصدارة في الدراسات المتعلقة بالمثاقفة فما هي أبرز منجزاته في هذا المجال ؟ .

ج/ وضع باستيد لنفسه مبدأ ألا وهو إدخال الأطر الاجتماعية في دراسة المثاقفة ، ويتمثل ذلك فيما يلي :

1. ربطه الاجتماعي بالثقافي : فقد انطلق من فكرة أنه لا يمكن دراسة الثقافي بمعزل عن (الوضع) الاجتماعي، وربما كون باستيد أصلا عالم اجتماع فيه ما يفسر ذلك .

2. تصنيف حالات الاحتكاكات الثقافية :

يضع باستيد ثلاثة معايير أساسية، الأول عام والثاني ثقافي والثالث اجتماعي كما يلي :

· العامل العام : وجود أو غياب التعامل مع الواقع الثقافي والاجتماعي : وهنا تتكون ثلاث حالات نمطية :

*حالة مثاقفة "عفوية"، "طبيعية"، حرةوهذه المثاقفة لاتكون موجهة ولا مضبوطة".ويعود سبب التغير في هذه الحالة إلى مجرد الاحتكاك ويتم، بالنسبة لكل من الثقافتين المعنيتين، وفق منطقها الداخلي الخاص بها.

*حالة مثاقفة منظمة، لكنها قسرية وتتم لمصلحة جماعة واحدة كما في العبودية والاستعمار ، وتبقى المثاقفة جزئية، وفي أغلب الأحيان تنتهي إلى الفشل(من وجهة نظر المسيطرين.وغالباً ما يكون هناك انتزاع للثقافة بدلاً من المثاقفة.

*حالة ثقافة مخططة ومضبوطة ترمي إلى أن تكون منتظمة تنظر إلى المدى البعيدة. ويمكن للمثاقفة المُخَطّطة أن تنشأ بناء على طلب مجموعة تتمنى رؤية تطوير شكل حياتها لتشجيع تطورها الاقتصادي
على سبيل المثال.

· العامل الثقافي : نسبة التنافر والتجانس بين الثقافات المتواجهة

· العامل الاجتماعي : نسبة انغلاق أو انفتاح المجتمعات المتماسة .

3. محاولة تفسير ظواهر المثاقفة :

عبر مسارين : الأول : تحليل مختلف العوامل التي من شأنها القيام بدور في عملية المثاقفة ، وهي :

· العامل السكاني : سواء فيما يتعلق بالعدد أو الحضور السياسي أو البنية الاجتماعية .

· العامل البيئي : : أين حصل الاحتكاك؟في المستعمرات أم في المدن؟في وسط ريفي أم في وسط مديني ؟

· العامل العرقي : هل نحن إزاء علاقات هيمنة/خضوع؟وما هو نمطها:هل هي "أبوية" أو "تنافسية" .

أما المسار الثاني : فإدخال فكرة العلتين : الداخلية والخارجية ، حيث يعني بالداخلية المنطق الخاص للثقافة ، أما الخارجية فهي سائر الأسباب التي قد تؤدي لحصول تغير ثقافي ، فغذا وجد السبب الذي من شأنه أن يعمل على تغيير الثقافة فإن الثقافة تمتصه تبعاً لمنطقها الخاص بها ، مما يؤدي بهذا الثقافة أن تراجع الضبط الداخلي لديها أي أن العلة الخارجية تحرض العلة الداخلية .

ولكن ماذا لو تغلبت العلة الداخلية ؟ إذن سيكون هناك مجرد تغير سطحي ، أما لو حصل العكس فسيكون هناك تماثل ثقافي .

4. تجديد مفهوم الثقافة : فقد قادت هذه الأبحاث إلى تجديد مفهوم الثقافة ووضع تعريف ديناميكي للثقافة باعتبارأن المثاقفة هي عملية دائمة من التفكك والبناء وإعادة البناء .

الفصل الخامس

التراتبات الاجتماعية والتراتبات الثقافية

الفكرة الرئيسية للفصل :

إن التراتبات الاجتماعية ، والتي تعني التفاوت والاختلاف بين طبقات المجتمع أو بين مجتمع وآخر تجعلنا نشهد تراتبات ثقافية ، أي تفاوت بين عدة ثقافات قوةً وضعفاً ، بمعنى وجود ثقافات مهيمنة وأخرى خاضعة ، وقولنا " ثقافة مهيمنة " لا يعني أنها تتسم بقوة حقيقية أو جوهرية ، إنما يمكن فهم قوة هذه الثقافة على ضوء القوة النسبية للمجموعة .

الثقافة الشعبية :

ولها عدة تعريفات من مثل :

1. " ثقافة المجتمع الريفي أو القروي " .

2. " ثقافة مجموعات اجتماعية تابعة " .

3. " ثقافة عادية لناس عاديين تتشكل تبعا للواقع اليومي ومن خلال النشاطات العادية المتجددة كل يوم " . [ ميشيل دو سيرتو ]

وثمة عدة خصائص قد تعين على تصور أفضل للثقافة الشعبية من مثل :

1. ثقافة جماعات صغيرة منعزلة تسود فيها العلاقات الشخصية .

2. تتفوق فيها القيم المقدسة على القيم العلمانية .

3. النظام الأخلاقي السائد بالغ القوة .

4. لا تخضع لرقابة مؤسسية مما سينجم عنه تصادم .

5. تتسم بطابعها الشفهي والعفوي التلقائي والموروث الذي يمثل تجارب المجتمع الشعبية ، وهذا لا يعني بالضرورة أنها سطحية أو لا عقلانية أو لا منهجية .

6. تنشأ في ظروف الهيمنة ، أي أنها تحمل طابعا احتجاجياً .

7. تطلق في مقابل الثقافة العالمة – المتعلمة – ثقافة النخب ، مما يوحي بوجود تناقض وليس مجرد اختلاف .

الفكرة الرئيسية :

ينظر للثقافة الشعبية وفق نظرتين شديدتي التطرف ، فالأولى تعتبرها ثقافة هامشية وتابعة تماماً للثقافة المهيمنة ، وفرع مشتق منها . والأخرى تعتبرها مستقلة تماما ، بل وتبالغ في ذلك في جنوح أيديولوجي بوصفها أنها تفوق الثقافة المتعلمة ، والوسط في ذلك هو الصواب وهو أنها ليست تابعة تماما ولا مستقلة تماما ، ولفهم أفضل لا بد وأن نعي الظروف التي تنشأ فيها الثقافة الشعبية – ظروف الهيمنة – ففي فترات المواجهة ترد الثقافة الشعبية عبر السخرية والتحريض والتهكم وهذا ما يجعلها تبدو كثقافة فرعية ، أما في الفترات التي لا يكون فيها مواجهة فإن الطبقات الشعبية تتمكن من القيام بنشاطات ثقافية مستقلة .

الثاقفة الجماهيرية :

ولها كذلك عدة تعريفات فمنها :

1. " الثقافة المميزة للمجتمع الجماهيري الذي يصاحب المدنية الحضرية والصناعية الحديثة " .

2. " البرامج والمواد والفقرا ت المختلفة التي تقدم عبر قنوات الاتصال الجماهيري التي تتبع المؤسسات الخاصة والمؤسسات الحكومية المتخصصة بالإعلام الجماهيري " .

الفكرة الرئيسية :

كرست وسائل الاتصال الجماهيري جهدها إلى تحويل الجماهير إلى جماعة نمطية واحدة وإلى إيجاد حالة من التوحد الثقافي عبر تنميط الرسالة الإعلامية الموجهة لهم . وهذا يتضمن خلطا بين " الثقافة الموجهة للجماهير " و " ثقافة الجماهير " إذ حتى لو جرى تنميط الرسالة الإعلامية فإن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تنميط المستقبل ؛ لأن المستقبل يأخذ بطريقة انتخابية وسيفسر هذه الرسالة الإعلامية ويعيد تأويلها حسب ثقافته .

الثقافة الطبقية :

الفكرة الرئيسية : منظومات القيم ونماذج السلوك ومبادئ التربية تتنوع بشكل ملموس من طبقة لأخرى وهذه الاختلافات الثقافية يمكن ملاحظتها حتى في الممارسات اليومية العادية ، وفيما يلي بعض الأمثلة :

الطبقة

العالم

بعض القيم المميزة لها

المقاولون الرأسماليون

ماكس ويبر

قيمة العمل + قيمة التقشف :

تحول العمل من كونه مصدر للحصول على الضروريات وتحقيق الإثراء إلى قيمة مركزية يمنح للحياة معناها ، وهذا يفترض بهم تخصيص جزء أساسي من أوقاتهم وطاقاتهم له . كما أن سعيهم وراء الربح يفترض منهم شكلا من أشكال التقشف والتحفظ والرصانة البعيدة عن منطق الإسراف والمباهاة .

العمال

ريشار هوغارت

قيمة التضامن العائلي :

يعطي الفرد منهم الأولوية للحاجات الجماعية مما يعزز لديهم – كطبقة – التضامن العائلي .

البورجوازية

بياتركس لوفيتا

استخلصت أربع قيم أساسية تميز هذه الطبقة :

1. الاهتمام بالتفاصيل ،لا سيما تفاصيل الملبس وبالأشياء الصغيرة التي تشكل التميز .

2. مراقبة الذات التي تنشأعن التقشف .

3. تحويل ممارسات الحياة اليومية إلى طقوس كطقوس المائدة على سبيل المثال .

4. استخدام شجرة العائلة العميقة والدقيقة والمحافظة عليها .

بورديو ومفهوم الا عتياد :

الفكرة الرئيسية :

العادة هي ما يميز طبقة اجتماعية إزاء طبقات أو جماعات أخرى تتقاسم وإياها الشروط الاجتماعية نفسها ، وهذ الا يعني نفي تنوع الأساليب الشخصية .

الفصل السادس

الثقافة والهوية

س1 / ما هي الهوية التي نتحدث عنها ؟

ج / يشتق المعنى اللغوي لمصطلح الهوية من الضمير ( هو ) ، وهو لا يخرج في مدلولاته الحديثة عن " الشخصية " أو " الهيئة " فالهوية تعبر عن حقيقة الشئ المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية التي تميزه عن غيره ، ولكن بعيدا ً عن التصور اللغوي والتقليدي ، فإن مفهوم الهوية يحمل مضامين ترتبط بالمعنى الثقافي تمتد وتؤكد على اكتشاف أمرين :

1. عناصر التميز للجماعة عن الآخرين .

2. تصورات الجماعة للآخرين .

س2 / بناء على هذ التعريف ، كيف لنا أن نفهم الفرق بين الثقافة والهوية ؟

ج/ الثقافة إحدى مكونات الهوية ، فكما أنه " لا مجتمع بلا هوية " فكذلك " لا هوية بدون ثقافة " ، كما يمكن لاستراتيجيات الهوية أن تعالج الثقافة أو تغيرها .

س3 / ماذا نعني بكل من الهوية الاجتماعية والهوية الثقافية ؟

الهوية الاجتماعية للفرد تتميز بمجموع انتماءاته في المنظومة الاجتماعية ، كالانتماء إلى طبقة جنسية أو عمرية أو اجتماعية أو مفاهيمية ...الخ .

بات من السهل الآن – بعد هذا التعريف – أن نقول " الهوية الثقافية إحدى مكونات الهوية الاجتماعية " .

س4 / ما العوامل التي ساعدت على تحول فكرة " الهوية الثقافية " إلى مفهوم في الولايات المتحدة الأمريكية ؟

ج / يعتبر تميز التاريخ الأمريكي -خصوصاً في مسألة أهمية الأقليات التي نشأت عن موجات متعددة من الهجرة- عاملاً حاسماً في انتشار المفهوم ، ذلك أنه في نهاية الستينات برزت الأقلية الأمريكية من أصل إفريقي، خصوصاً بظهور منظمة "الفهود السود" سنة 1966. ثم حذت أقليات أخرى حذو حركة السود مطالبة بالاعتراف بخصوصيتها. وهذه الظرفية ساهمت بدورها في ترسيخ اصطلاح الهوية.

س5 / كيف يمكن النظر إلى " الهوية الاجتماعية " على أنها احتواء وإبعاد في الوقت نفسه ؟

ج / احتواء : لأنها تحدد هوية المجموعة التي تضم أعضاء متشابهين فيما بينهم بشكل من الأشكال

إبعاد : باعتبار أن الهوية الثقافية أداة للتمييز بين " نحن " و " هم " وهو التمييز القائم على الاختلاف الثقافي .

المفاهيم الموضوعية والذاتية للهوية الثقافية +المفهوم العلائقي والظرفي

س6 / تتنازع الهوية الثقافية عدة تصورات ، منها الموضوعي ، الذاتي و العلائقي ، فما المراد بكل منها ؟

نقد كل من التصورات السابقة :

1. المفهوم الموضوعي : النظر إلى الهوية على هذا النحو يعني عدها بمثابة ظاهرة سكونية جامدة تحيل إلى جماعة محددة بشكل ثابت وهي نفسها غير قابلة للتغيير .

2. المفهوم الذاتي : تؤدي إلى اختزال الهوية إلى مجرد مسألة اختيار بحيث يكون أيا ً منا حرا في تماهياته . وإذا كان لهذا التصور من ميزة فهي توضيحه للطابع المتغير للهوية .

3. المفهوم العلائقي (بارث 1969) : ويعد النظرة الصحيحة للهوية ، باعتباره وحده القادر على تفسير السبب في ترسخ هوية معينة في فترة معينة وكبتها في فترة أخرى ، كما أنه يشير على أن الهوية تتشكل ويعاد تشكيلها باستمرار من خلال التبادلات الاجتماعية ، أي أنه يشير إلى أن الهوية مفهوم ديناميكي [11]وذلك على عكس التصور الموضوعي .

س7 / ما ذا يعني مفهوم " الهوية السلبية " وكيف تتشكل ؟

ج / وفقا للحالة العلائقية ، لا سيما حالة القوة والهيمنة – الضعف والخضوع ، فقد تمارس الهوية ذات الشرعية الأكبر نوعا من الهيمنة والسيطرة على الهوية الخاضعة مما يؤدي إلى ظهور ما يسمى بـ " الهوية السلبية " ، كما يتضح في الآثار التي تعاني منها الأقليات حيث نلاحظ بعض الظواهر النفسية السلبية من مثل : احتقار الذات والخجل من إظهار الهوية مما يدعو إلى محاولة إلغاء العلامات الخارجية للاختلاف السلبي .

س8 / كيف يمكن القول بأن الهوية تشكل " رهان صراعات طبقية " ؟

ج / لا شك بأن المجموعات لا تملك كلها قوة التماثل نفسها لأن قوة التماثل هذه ترتبط بالوضعية التي تحتلها في منظومة العلاقات التي تربط المجموعات فيما بينها ، ولا تملك المجموعات كلها السلطة لتسمي نفسها وتسمي غيرها فمن يملك السلطة الشرعية، أي السلطة التي تمنحها القوة هو القادر على فرض تعريفه لنفسه ولغيره والسلطة الشرعية تملك القوة الرمزية لجعل الآخرين يعترفون بمقولاتها المتعلقة بتصور الواقع الاجتماعي وبمبادئها حول تقسيم العالم الاجتماعي على أنها مبررة، ومن هنا قدرتها على تشكيل الجماعات وتفكيكها.

وهذا ما مارسته الجماعة المهيمنة في الولايات المتحدة الأميركية المسماة wasp (البيض الأنجلوساكسون البروتستانتيون) حينما قامت بتصنيف الأميركيين الآخرين في فئة "المجموعات العرقية" أو في فئة "المجموعات السلالية".إلى فئة أولى وفئة ثانية واحتفظت لنفسها بمكانة فوق المصنّفين كلهم.إذن فالمجمعات الخاضعة تصنّف انطلاقاً من خصائص ثقافية خارجية تعد ملازمة لهم وشبه ثابتة.وهذا ما يشكل ذريعة لتهميشهم أي لجعلهم أقليّة وبالتالي تمنعهم من المشاركة في قيادة المجتمع ، وقد يتطور الأمر ليتحول إلى سياسة فصل عرقي للجماعات الأقلية المحكوم عليها، نوعاً ما، بأن تراوح في مكانها وهو المكان الذي وضعت فيه وفقاً لتصنيفها.

الهوية شأن من شؤون الدولة

س9 / تسعى الدولة الحديثة إلى توحيد الهوية عن طريق أحد مسارين ، ما هما ؟

ج / إما أنها لا تعترف إلا بهوية ثقافية واحدة لتحديد الهوية الوطنية(مثل فرنسا) أو أنها، بعد قبولها لنوع معين من التعددية الثقافية في كنف الأمة، تقوم بتحديد هوية مرجعية تكون الهوية الوحيدة الشرعية فعلاً مثل الولايات المتحدة الأميركية.

س10 / في ظل عملية " توحيد الهوية " التي تسعى إليها الدولة ، قد يبرز لدى بعض الدول ما يسمى بـ " الهوية الوطنية المتعصبة " فماذا نعني بها ؟ .

ج / الهوية الوطنية المتعصبة هي دولة إيديولوجية تقوم على استبعاد الاختلافات الثقافية، ويقوم منطقها المتطرف على منطق "التطهير العرقي" ودولة الكيان الصهيوني في فلسطين أكبر مثال على هذا [12].

س11 / كيف يمكن قراءة الآثار المأساوية التي تنتج عن عملية تصنيف الهوية العرقية – الثقافية في الدول التي تضم أعراقا ً متعددة ؟ .

ج / بعض الدول التي تضم أعراقاً متعددة تفرض على رعاياها ذكر الهوية العرقية-الثقافية أو الدينية على بطاقة الهوية في الوقت الذي لا يعترف البعض بهذا التصنيف..حين يقوم نزاع بين مختلف مكونات الأمة يمكن لهذا الفرز(التصنيف) أن يؤدي إلى نتائج مأساوية كما حدث في النزاع اللبناني والنزاع الراوندي وكمايحصل الآن في النزاع الطائفي بالعراق .

س12 / ما هي الآثار التي قد تنشأ عن إحساس الأقلية بالظلم الاجتماعي ؟ .

1. تنامي المطالبة بالهوية الذي نلاحظه في كثير من الدول المعاصرة ومحاولة تخريب رمزية ضد تلقين الهوية .

2. يؤدي – أي الظلم الاجتماعي - بأعضاء مجموعة هي ضحية التمييز إلى شعور قوي بالانتماء إلى الجماعة وإلى التماهي بها .

الهوية ذات الأبعاد المتعددة

س13 / هل من الممكن أن يعيش الإنسان بهوية مزدوجة ؟ .

تؤكد التحليلات، إن الشباب الذين يحملون هويتين متواجهتان؛ يشعرون بالتمزق بينهما، وهو الأمر الذي يفسر ضيقهم بموضوع الهوية وعدم استقرارهم النفسي و/أو الاجتماعي ، ويرى المؤلف أن هذا الضيق مرده إلى التصور الإقصائي الذي ينتج عن :

1. عدم القدرة على التفكير بالاختلاط الثقافي .

2. الخوف الوسواسي من الولاء المزدوج الذي تحركه الإيديولوجية الوطنية(القومية).

والواقع – حسب ما يرى المؤلف - إن الفرد يصنع هويته الوحيدة انطلاقاً من انتماءاته الاجتماعية(الجنس والعمر والطبقة الاجتماعية والجماعة الثقافية) من خلال إجراء عملية تركيب ذكية.وبالتالي فهو يحصل على هوية تلفيقية وليست مزدوجة، أي أن الفرد يدمج في ذاته، بشكل تركيبي، تعددية المرجعيات الخاصة بالهوية المرتبطة بتاريخ هذا الفرد . [13]

استراتيجية الهوية

س14 / يلجأ بعض المؤلفين إلى استخدام مفهوم " استراتيجية الهوية " ، فإلى ماذا يشير هذا المفهوم ؟.

ج / يشير إلى الخطط التي تترسمها الهوية تمشيا ً مع الوضع الاجتماعي الراهن ، فهو بهذا يشير إلى البعد المتغير في الهوية وإلى اعتبار الهوية وسيلة لبلوغ هدف معين .

س15 / كيف يمكن أن تستخدم الهوية كأداة للمناورة ؟ .

هذا ما يمكن تفسيره من خلال مفهوم " استراتيجية الهوية " حيث يعمد البعض إلى طمس الهوية التي يزعمها للهروب من التمييز ومن المنفى أو حتى من المذبحة .هناك حالة تاريخية فريدة تمثل هذه الاستراتيجية هي حالة الماران.والماران Maranes هم يهود شبه الجزيرة الإيبيرية الذين تحولوا ظاهرياً إلى الكاثوليكية في القرن الخامس عشر للتخلص من الاضطهاد والإبعاد، لكنهم ظلوا أوفياء لعقيدة أجدادهم وحافظوا على عدد من الطقوس التقليدية بشكل سري.وبذلك استطاعت الهوية اليهودية الانتقال بشكل سري إلى كل عائلة عبر القرون من جيل إلى جيل حتى تمكنت من الترسخ من جديد بشكل علني.

س16 / هل من ظواهر أخرى يمكن تفسيرها من خلال مفهو م " استراتيجية الهوية " ؟ .

1. ظواهر اختفاء الهويات وظهورها أو ما نطلق عليه " المناورة " .

2. تنوعات الهوية وهو ما يمكن تسميته بانتقالات الهوية .

3. نسبية ظواهر التحقق حيث تنبني الهوية وتتفكك ويعاد بناؤها تبعاً للحالات.فهي دائمة الحركة، وكل تغير اجتماعي يقودها إلى إعادة صياغة نفسها بشكل مختلف .

مثال موران (1990) ، بتحليل إعادات تشكل هوية الهاييتيين المهاجرين في نيويورك :

1. الجيل الأول : اختارالاندماج في الأمة الأميركية مع محافظته على اختلافه عن السود الأميركيين للتخلص من الإبعاد الاجتماعي مستفيدا من كل ما من شأنه الإيحاء بشيء من البياض و"التميز" .

2. الجيل الثاني : اختار بعد أن صعب عليه الاندماج، استراتيجية أخرى وهي استراتيجية تأكيد الهوية الهاييتية من أجل تجنب الاختلاط بالأمريكيين السود؛لذلك لجأ إلى التكلم المنتظم باللغة الفرنسية أمام الملأ، وبذل جهداً لاكتساب الاعتراف به كمجموعة عرقية نوعية.

3. الجيل الثالث : أحسوا بموجة التقليل الاجتماعي من قيمة هويتهم الهاييتية التي اشتدت حدتها في الولايات المتحدة خلال التسعينات بسبب مأساة boat people القوارب الهاييتية التي جنحت عند شواطئ فلوريدا، وبسبب تصنيف طائفتهم على أنها " مجموعة خطيرة" تسبب انتشار الإيدز فقد كبتوا هذه الهوية وطالبوا بهوية عبر وطنية كاريبية، منتهزين فرصة كون نيويورك قد أصبحت أول مدينة كاريبية في العالم بسبب هجرة الكاريبيين إليها.

حدود الهوية

س17 /ما المراد بحدود الهوية ؟ .

ج / الحد هو الفاصل بين الشيئين ، ويعني وضع حد فاصل بين " هم " و " نحن " والحفاظ على هذا الحد ، وهذا ما يراه بارث الأهم في عملية اكتساب الهوية .

س18 / ما الهدف الذي ترمي إليه المجموعة من وضع هذا الحد وأي شئ قد ينتج عن هذا الوضع ؟ .

تهدف المجموعة إلى التميز عن جماعة أخرى واستخدامها لبض السمات الثقافية كمحدد لهويتها النوعية ، مما ينتج عنه الفصل بين مجموعتين عرقيتين – ثقافيتين ، ومن هنا يمكننا فهم الخطأ الذي يقع فيه الثقافويون من عزو هذا الفصل على الاختلاف الثقافي ، إذ يمكن للمجموعة أن تعمل تماما ً وفي كنفها شئ من التعددية الثقافية .

س19 / ما هو تأثير قيام علاقات طويلة بين مجموعات عرقية على " حدود الهوية " ؟.

ج / على عكس قناعة واسعة الانتشار، فإن العلاقات التي تدوم فترة طويلة بين المجموعات العرقية لا تؤدي بالضرورة إلى الإلغاء المتدرج للاختلافات الثقافية.بل غالباً ما تنتظم هذه العلاقات بشكل تحافظ معه على الاختلاف الثقافي.بل أحياناً تزيد هذا الاختلاف عن طريق لعبة الدفاع( الرمزي) عن حدود الهوية .

س20 / هل يعني هذا أن الحد ثابت لا يقبل التبديل ؟ .

ج / يعتبر بارث أن الحد يشكل فرزاً اجتماعياً يمكن تجديده باستمرار من خلال التبادلات.وكل تغير يصيب الحالة الاقتصادية أو السياسية من شأنه التسبب في انزياحات الحدود.

الفصل السابع

الرهانات والاستخدامات الاجتماعية لمفهوم الثقافة

الفكرة الرئيسية للفصل :

" الرهانات والاستخدامات الاجتماعية لمفهوم الثقافة " ، أي المجالات التي جرى فيها استخدام هذا المفهوم اجتماعيا ً ، وهذه الاستخدامات لم تنج ُ في الغالب من " التدليس " – إن صح التعبير – والتلاعب بمدلول اللفظ ، واقتصر هذا الفصل على ذكر ثلاثة نماذج لهذه الاستخدامات وهي : الثقافة السياسية ، ثقافة المؤسسة وثقافة المهاجرين .

الثقافة السياسية :

مقدمة :

نعني بالثقافة السياسية مجموعة الأفكار والمشاعر والاتجاهات التي يؤمن بها الفرد وتحرك سلوكه تجاه النظام السياسي ، وبطبيعة الحال لم يعمد رجال السياسة إلى استخدامه – أعني مصطلح الثقافة - لذاته ، وإنما ليضفوا نوعا ً من الشرعية على تصريحاتهم . وقد تشكل هذا المفهوم في ظل حصول الدول المستعمَرة على استقلالها . ولا شك أن لدراسة الثقافة السياسية أهمية قصوى ، إذ تشكل صمام الأمان للمجتمع من أي هزات وفتن تتمخض عنها محاولات التغيير سلبا ً أو إيجابا ً في منظومة الحكم ، كما أن التربية السياسية المتسمة بالأصالة والرصانة هي الطريق الوحيد لتحليل كل ما يمر بالبلاد من أحداث ومواقف تحليلا ً ناضجا ً يجري في أطره المتزنة المرسومة له .

مناقشة :

س1/ما الأسباب التي أدت على نجاح هذا المفهوم ؟.

ج1/ السبب في إنجاح هذا المفهوم هو توجهه المقارن، فقد قام باحثان أميركيان هما غابرييل ألموند وسيدني فيربا بإخضاع خمسة بلدان (الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، المكسيك) إلى المقارنة انطلاقاً من تحليل أشكال متنوعة من السلوكات السياسية، وتوصلا إلى وضع تصنيف للثقافات والبنى السياسية المتكيفة مع تلك الثقافات من الناحية الوظيفية على النحو التالي :

1. ترتبط بالثقافة "الرعوية paroissiale "التي تهتم بالمصالح المحلية بنية سياسية تقليدية لا مركزية .

2. ترتبط بثقافة "الخضوع" التي تنمي السلبية لدى الأفراد ثقافة تسلطية.

3. ترتبط ثقافة "المشاركة" ببنية سياسية ديمقراطية.

والثقافة السياسية المحسوسة هي ثقافة خليطة حيث يمكن لنماذج الثقافة الثلاثة أن تتعايش .

س2/ ما علاقة هذه "الثقافة السياسية" التي ندرسها الآن بالثقافة العامة للمجتمع ؟ .

ج2/ الثقافة السياسية بهذا المعنى هى جزء من الثقافة العامة للمجتمع وهى بذلك تؤثر فى الثقافة العامة وتتأثر بها فالثقافة السياسية تجد مصادرها فى الميراث التاريخى للمجتمع وفى الأوضاع السياسية والاقتصادية والأيدولوجية السائدة فى المجتمع كذلك فإن الثقافة السياسية تؤثر في الثقافة العامة للمجتمع عن طريق قيامها بمساندة استمرار أوضاع أو السعي إلى تغييرها .

س3/وفي ضوء المصادر السابقة لـ"الثقافة السياسية" ، هل بات من الممكن الآن الجزم بعدم الثبات المطلق لهذه الثقافة ؟.

ج3/ لا تعرف الثقافة السياسية لأى مجتمع ثباتا ًمطلقا ً، ولكنها تتعرض للتغيير ويحدث هذا التغيير استجابة للتحولات التي تطرأ على المجتمع سواء تحولات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وسعي الثقافة السياسية للتكيف مع تلك الأوضاع الجديدة.

س4/ كيف يمكن النظر إلى الوحدة والتعددية في الثقافة السياسية ؟.

ج4/ إن وحدة الثقافة السياسية للجماعة لا تتعارض مع وجود خصوصيات ثقافية سياسية ، أو ما يعرف بالثقافات الثانوية الموجودة في كنف المجتمع الواحد والتي قد ترتبط بمكان الإقامة (ثقافة أهل المدن وثقافة أهل الريف ) أو الاختلافات الجبلية (ثقافة الكبار وثقافة الشباب) أو شرائح المجتمع ( ثقافة الجماهير وثقافة الصفوة ) أو الأحزاب السياسية (ثقافة اليمين وثقافة اليسار ) .

س5/ ماذا نعني بعملية التأهيل السياسي ؟.

ج5/ تعنى كل ما يساعد الفرد فى المجتمع على تشكيل شخصيتة وتعلمه السلوك والانتماء السياسى ، و يتخذ مظهر التوفيق بين طموحات الفرد وبين مختلف الجماعات التي يقيم معها علاقاته.وهذا التأهيل ليس مكتسباً أبدا ً بشكل نهائي، لكنه ينتج بشكل تدريجي وغالباً بشكل غير مقصود.وككل عملية تأهيل اجتماعي فإنه يساهم مباشرة في تكوين هوية الفرد. وبطبيعة الحال لا يمكن الخلط بينه وبين التلقين العائلي باعتبار تعدد المؤسسات التي تقوم بعملية التأهيل السياسي من مثل : الأسرة ، المدرسة ، النظراء ، الإعلام و المؤسسات التربوية كالمساجد والمراكز الإسلامية .

ثقافة المؤسسة :

مقدمة :

ونعني بها مجموعة القيم والمفاهيم التي يؤمن بها العاملين في المؤسسة وتنتقل من جيل لآخر من العاملين ، ولا تخفى أهمية " ثقافة المؤسسة " في إيجاد الإحساس بالذاتية والهوية للعاملين والانتماء للمؤسسة ، و دعم استقرار المؤسسة باعتبار أن العاملين يكون لديهم نفس المبادئ عن أسلوب التعامل وما هو مقبول وما هو مرفوض. كذلك فإن الثقافة القوية تساعد على التفاعل الخارجي حيث إن جميع العاملين يعرفون أسلوب المؤسسة في تحقيق أهدافها و التعامل مع المتغيرات الخارجية ، و عملية التعرف على ثقافة المؤسسة تتم بعدة طرق لعل من أهمها الشعارات والمبادئ المعلنة بصرف النظر عن مدى التزام الممؤسسة بما تطلقه من شعارات ومبادئ . ولا ينبغي أن يفهم أن ثقافة معينة هي الأنسب لجميع المؤسسات وكل الظروف فقد تتبنى مؤسستان الثقافة نفسها فنراها تنجح في الأولى وتخفق في الثانية تبعا ً لاختلاف الظروف كما ذكرنا آنفا ً [14]. من جانب آخر , لا يمكننا دراسة ثقافة المؤسسة بمعزل عن الوسط المحيط ، إنها ليست مجرد ثقافة تنظيمية منعزلة السياق ، فالمؤسسة لا تتكون من عالم مغلق من شأنه أن يفرز ثقافة كاملة الاستقلال ، بل على العكس , فإن المؤسسة الحديثة شديدة الارتباط بمحيطها ، سواء على الصعيد الاقتصادي , أو على الصعيد الاجتماعي والثقافي . ويشير المؤلف في بداية حديثه عن ثقافة المؤسسة إلى تاريخ ظهور المصطلح في الولايات المتحدة الأمريكية ثم في فرنسا ثم يخلص إلى الحقيقة التي قررناها في " الفكرة الرئيسية للفصل " والتي مفادها أن ثقافة المؤسسة ضمن الظروف التي ذكرها ليست ليست مفهوماً تحليلياً بل تلاعباً manipulation بالمفهوم الإيديولوجي للثقافة هدفه إضفاء الشرعية على تنظيم العمل في كنف المؤسسة .

مناقشة :

س1/ كيف يمكن النظر إلى علاقة ثقافة المؤسسة بالثقافات الصغرى وثقافات الأفراد النتمين إليها ؟

ج1/ فى كل الثقافات تقريبا هناك مجموعات ثقافية "صغرى" أو "فرعية" قد تكون قائمة على التباين السلالى أو العرقى أو الدينى أو الجغرافى أو الجنسى. هذا بالإضافة إلى أن هناك اختلافات فردية داخل المجموعات الثقافية نفسها مبنية على عدة عوامل مثل: نوع ومستوى التعليم ودرجة التعرض لثقافات أو جماعات ثقافية أخرى . و ثقافة المؤسسة لا توجد خارج الأفراد المنتمين إليها, ولا يمكن أن تسبقهم في الوجود , إذ أنها تتكون من خلال الأفعال المتبادلة فيما بينهم. في نهاية المطاف , تقع " ثقافة المؤسسة " في تقاطع مختلف الثقافات الصغرى الموجودة في كنفها, وهذه الثقافات الصغرى لا تنسجم بالضرورة مع بعضها بعض , واحتكاكها لا يتم حتماً بلا مصادمات .

س2/وضع " فيليب بيرنو " تحليلاً لسلوكيات الاستملاك ، فما المراد بالاستملاك ، وما علاقته بالثقافة المؤسسية ؟.

ج2/ قبل الإجابة عن ذلك ، لا بد من إلقاء نظرة على بعض الحالات التي يعيشها العامل في المؤسسة والتي تتمثل في حالة من الاغتراب ، العامل والحالة هذه لا يكون في تبعية وارتباط كاملين بهذا التنظيم ، وهذا الاغتراب الذي يعيشه قد ينجم عن أسباب كثيرة ، فإذا أخذنا المنطق التايلوري[15] للعمل كأحد أسباب هذا الاغتراب فإننا نكون أمام سلوك الاستملاك هذا والذي يظهر كرد فعل على المنطق التايلوري ، أي أن العامل - مثلا -ً يستغل أوقات العمل لمنفعته الخاصة مستعملا ًموارد المؤسسة وآلاتها(ممارسات غير شرعية من قبل العامل !) ، وغالبا ً ما يتم هذا الاستغلال تحت مظلة التواطؤ بين مجموعة من العمال .

س3/ كيف لنا أن نفهم أثر الثقافات الوطنية على ثقافة المؤسسة ؟.

ج3/ هناك مجموعة من الأبحاث التي بينت أثر الثقافات الوطنية على ثقافات المؤسسة . وأوضحت البحوث المقارنة أن المؤسسات الثقافية المتماثلة والقائمة في بلدان مختلفة كانت تعمل وفق أنساق ثقافية متباينة ، كان ذلك حين ظن بعض المبهورين بـ " النموذج الياباني " أنهم اكتشفوا نموذجاً عالمياً جديداً للتنظيم الفعال. لكنهم سرعان ما خففوا من مغالاتهم . إذ لم يكن من السهل نقل النموذج الياباني إلى بلدان أخرى بعد أن تنبهوا إلى إنشاء الشركات والمشاريع اليابانية في الولايات المتحدة وأوروبا , أي تلك التي استلهمت بشكل مباشر المظاهر الأساسية للثقافة اليابانية والمنسجمة مع البنى الاجتماعية لليابان[16] .

ثقافة المهاجرين :

مقدمة :

مثلت فرنسا في حقبة سالفة محطا ً للهجرة ، والتي غالبا ً ما ارتبطت في بدايتها بالعجز في الأيدي العاملة ، ثم تحولت إلى هجرة سكن وإقامة لا سيما وأن القانون الفرنسي كان يحمي التجمعات العائلية ، إذن لم يعد ممكناً اعتبار المهاجرين مجرد " قوة عمل " تكميلية ومن ثم ّ, فقد صار لزاماً أخذ كافة أبعاد وجودهم بعين الاعتبارفمن الطبيعي أن يبدي السكان المهاجرون خصوصية معينة وأن تضطر السلطات العامة المهتمة بدمجهم في الحياة المحلية , إلى الاهتمام بهذه الخصوصيات . و من النظم الثقافية الخاصة بالمهاجرين " التقاليد " و " الأعراف " و " السمات الثقافية " وتتحدد " ثقافة المهاجرين " انطلاقا ً من مجموعة من العلامات الخارجية ( الممارسات الغذائية , واللباسية والدينية والاجتماعية الخ ...)التي لا ندرك دلالتها العميقة ولا تجانسها ولكنها تسمح لنا بالتعرف على المهاجر,والتذكير بأصوله.

مناقشة :

س1/ كيف كانت إدارة الحكومة الفرنسية للاختلاف الثقافي لهؤلاء المهاجرين ؟.

ج1/ كانت إدارة الحكومة الفرنسية لهذا الاختلاف تتمركز حول محورين :

1. تشجيع وعي المهاجرين بثقافتهم الأصلية ، المصطلح الذي سنرى كيف أنه انطوى على مغالطة كبيرة !.

2. رفض الدمج الكامل للمهاجرين في الأمة الفرنسية . وقد بلغ الأمر حد الزعم أن المهاجرين غير الأوربيين " غير قابلين للاندماج " لأنهم يختلفون كثيراً من الناحية الثقافية عن الفرنسيين وذلك في إطار استحثاث المهاجرين للعودة إلى بلدانهم .

س2 / لا شك أن ما قامت به الإدارة الفرنسية من مماهاة ثقافة المهاجرين بالثقافة الأصلية محض تلاعب ينطوي على سلسلة من الأخطاء ، كيف يمكن قراءة هذه الأخطاء ؟.

ج2/ يمكن قراءة هذه الأخطاء كما يلي :

1. لا يجمل بنا أن نتعامل مع الثقافة باعتبارها " شيئا ً " أو حقيبة تحمل من مكان لآخر وفق نسق مستقر دون أن يطرأ عليها تأثير وتغير من جراء عملية النقل هذه ، إذا كان الأمر بهذه الصورة فما هو موقع هذه الثقافة التي يجري الحديث عنها من هذا التغير الحتمي !.

2. مصطلح " ثقافة الأصل " غامض دلاليا ً وبالتالي فهو ضعيف إجرائيا ً ، فأي أصل يراد تعيينه ؟ الأصل القومي أم المحلي أم الاجتماعي أم ...

3. استخدام مصطلح " ثقافة الأصل " بهذه الصورة يؤدي إلى الحط من شأن التغير الثقافي الذي تحدثه الهجرة لدى تاركي أوطانهم .

4. أن في استخدامه بهذه الصورة حجب للتغير الثقافي الذي يشهده المجتمع الأصلي أي أن التغير مزدوج يشمل المهاجر وبلده الأصلي.

5. أن فيه إنكارا ً للتنوع الاجتماعي الذي يكون عليه المهاجرون المتحدرون من المجتمع الواحد باعتبار أن عدم احتلالهم الموقع الاجتماعي نفسه يجعلهم لا يرتبطون بثقافة الأصل بالعلاقة نفسها .

6. أن ثقافة الأصل لا تمكن من تفسير الاختلاف في اندماج المهاجرين أصليي البلد الواحد وتثاقفهم في مجتمع الاستقبال بقدر ما تمكن منه البنى الاجتماعية والعائلية التي لمجموعة الأصل التي ينتمي إليها المهاجرون .

س3/ بعيدا عن الخطاب الأيديولوجي السابق ، ماذا عن التحليل الأنثروبولوجي لثقافة المهاجرين ؟.

ج3/ على صعيد التحليل الانثروبولوجي , سنلاحظ حتماً أن ثقافات المهاجرين هي , في إطار مجتمع الاستقبال , ثقافات قلل من شأنها , وثقافات خاضعة . وهناك ماهو أكثر من هذا . يرى عدد كبير من المهاجرين , بالمعنى الحقيقي للكلمة , أي مهاجري الجيل الأول أن الثقافة الأصلية التي يجهدون في المحافظة عليها على الرغم من كل الظروف , لم تعد في البلد المضيف إلا " ثقافة مفتتة" , ثقافة مجزأة , تم اختزالها إلى بعض عناصرها . إنها لم تعد إلا ثقافة غير مندمجة desintegree , ومفككة ولم تعد تشكل منظومة متجانسة وبعبارة أخرى لم تعد ثقافة تامة .

الخاتمة ( نسأل الله حسنها ) :

يتلخص هدف الخاتمة في إثبات التكامل ونفي التعارض بين مفهومي النسبية الثقافية والعرقية المركزية كمبدأين منهجيين ، فالنسبية الثقافية كمبدأ منهجي تعني افتراض أن كل مجموعة ثقافية تسعى إلى الانسجام وبعض الاستقلال الرمزي الذي يمنحه طابعه الأصلي الفريد وبأننا لا نستطيع تحليل سمة ثقافية مستقلة عن المنظومة الثقافية التي تنتمي إليها، وهي الوحيدة القادرة على منحها معناها.وهذا يعني دراسة الثقافة مهما كانت بدون حكم مسبق، ودون مقارنتها و"قياسها" بشكل متسرع مع ثقافات أخرى وتفضيل المقاربة المتفهمة ، أما العرقية المركزية –والتي تختلف عن العنصرية - فتشكل آلية للدفاع في داخل المجموعة ضد ما هو خارجها.وبهذا المعنى فإن درجة من المركزية العرقية يكون ضرورياً لبقاء أية مجموعة عرقية إذ يبدو أنها غير قابلة للتحلل والتلاشي .

إذا اعتبرنا النسبية الثقافية والمركزية العرقية بمثابة مبدأين منهجيين فلا يعودان عندها متناقضتين بل متكاملتين ، ففي الوقت الذي أشعر فيه داخليا ً بالاعتداد بثقافتي فإني أتمكن من رؤية الثقافات الأخرى المحيطة بها والتعامل معها بشكل موضوعي بعيدا ً عن أي أحكام استباقية للبحث .

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،



[1]الأيديولوجيا : مجموعة الآراء التي يعتنقها الشخص وتؤثر على صياغة مواقفه .

[2] "عصر الأنوار" أو "الحركة التنويرية " : هي بمثابة ردة فعل عنيفة سددها رجال النهضة ورجال البحث العلمي للكنيسة التي وقفت موقف العداء السافر من العلم ، ولما قامت به محاكم التفتيش من مطاردة وحرق وشنق لهؤلاء العلماء . ولم يتبلور هذا المفهوم إلى ما يشبه القاعدة أو الشعار إلإ بعد منتصف القرن الثامن عشر . وهكذا فقد انطوى هذا المصطلح على نقد الفكر الديني ، أو الكفر به في أحيان أخرى ، أو الاكتفاء بتحييده عن سياسة الحياة ، باعتبار أن أنوار العقل وحده – هكذا زعموا – كفيلة بقيادة الإنسان إلى كمال العلم والحكمة .

[3] اندلعت في أواخر القرن الثامن عشر

[4] نابليون بونابرت : قائد عسكري وإمبراطور فرنسي ، كانت له نجاحات عسكرية كبيرة وحكم أوروبا بأسرها تقريبا ، انتهت حياته بهزيمة عام 1815 ونفيه بعدها إلى جزيرة سانت هيلينيا حيث مات بسرطان المعدة .

[5] Ethnology : فرع من الأنثروبولوجيا Anthropology يهتم بالدراسة التحليلية للثقافات الفردية وطريقة الحياة في مجتمع معين ويهتم بالتحليل والتفسير أكثر من مجرد الوصف ، للاستزاده انظر :قاموس علم الاجتماع د.محمد عاطف غيث .

أما الأنثروبولوجيا Anthropology –علم الإنسان - فهي : علم يعنى بدراسة الإنسان من جميع جوانبه الطبيعية والسيكولوجية والاجتماعية ، وهو يحمل معنى الدراسة المقارنة للجنس البشري ، وقد تفرع في العصر الحاضر إلى فروع عديدة ولكنها في الواقع يصعب التمييز بينها بحدود واضحة . للاستزاده انظر : المرجع السابق .

[6] البيولوجيا Biology : علم الأحياء .

[7] السمة الثقافية : هي أصغر وحدة ثقافية ، وقد تكون مادية مثل الزي وطريقة الأكل و ... وقد تكون معنوية مقل القيمة والمعتقد .

[8] العرقية المركزية : هي أن تنظر الجماعة (أو الفرد) إلى ثقافتها باعتبارها الأفضل بينما تنظر للاخرين بعين الاحتقار ، فهي بذلك تكتسي أشكالاً مفرطة في عدم التسامح الثقافي والديني وحتى السياسي ، ولكنها أحيانا ً قد تتخذ أشكالا ً دقيقة وعقلانية وتصبح مبدأً منهجيا وضرورة اجتماعية لبقاء أي مجموعة – مزيد من التفصيل سيأتي في الخاتمة - .

[9] لا يعني ذلك أن هناك تعريفا مصوغا من قبل بواس يُعرف بـ"التعريف الذاتي" خاصة إذا علمنا أن بواس لم يكن مهتما ً بالتنظير ، إنما نعني أن بواس كان صاحب نظرة أو مقاربة ذاتية للثقافة ، وعلى هذا يقاس دوركايم ، ولوسيان ليفي .

[10] مذهب لا ديني جوهره نفي الذات الإلهية عن طريق القول بأن الله – تعالى عما يقولون – والمادة شيء واحد ، وهو بلا شك وجه آخر من وجوه الإلحاد الذي يريد التعبير بشكل ملتوٍ عن القول بوجود المادة فقط .

[11] حركي .

[12] ويمكن اعتبار الدولة الشيعية في العراق وما يحصل من ذبح لأهل السنة – على الهوية – مثال آخر على ذلك ! .

[13] في كلام المؤلف نوع من العموم الذي يحتاج إلى ضبط فتغير الهويات ينبغي أن يخضع لقانون التوازن بين الثوابت المميزة للهوية والعناصر القابلة للتحول ، وإلا كانت الهوية عرضة للخطر والتدمير ، فالهوية تتضمن مكونات ثابتة وأخرى قابلة للتغيير . ويعتبر الدين واللغة من الثوابت الراسخة ، بينما تكون المكونات الأخرى من عادات وقيم وطرق تفكير قابلة للتغيير في الشكل الإيجابي الذي تحدده حركية المجتمع وتفاعله بمحيطه الخارجي . فالهوية ليست بنيةً مغلقةً وإنما هي بنية مُتَحَوِّلةٌ باستمرار، ولكن على محور ثبات!

[14] ومثاله ، المؤسسات التعليمية الحكومية والمؤسسات التعليمية الأهلية ، فمن الصعب أن نفرض على كلتا المؤسستين الثقافة نفسها باعتبار الفارق الكبير في طبقة المتعلمين هنا وهناك ، ناهيك عن اختلاف استراتيجية كل من هاتين المؤسستين الأمر الذي يجعل من تبني ثقافة واحدة أمرا ً مستحيلا ً .

[15] :نظام يهدف إلى الاستغلال الأقصى لجهد العامل بهدف رفع الإنتاجية ، العمل وفق هذه النظرة يكون عملا ً إجباريا يعمل على إذلال الإنسان وإفقاده كرامته حيث أصبح الفرد يشتغل مقابل شيء تافه (الأجرة) لا تربطه به أية علاقة إنسانية .

[16] تضطر بعض المؤسسات إلى أن تخفي ثقافتها الحقيقية وتساير الثقافة الوطنية في البلد الذي تقيم فيه فروعها حفاظا ً على الإنتاجية لا أكثر ، فمثلا ً مؤسسة" ستار بوكس " الشهيرة ، مؤسسة يهودية صرفة تعترف بمناسبة وبدون مناسبة بولائها لإسرائيل – صاحب المؤسسة يهودي !- وبدعمها للجيش الإسرائيلي ، بل إنها تذهب لما هو أبعد من ذلك في دلالته على الولاء فتضع النجمة السداسية على جانبي شعار المؤسسة ، ولكنها حين تفتتح لها فروعا ً في البلدان الإسلامية ومنها المملكة فإنها تستبدل هذه النجمة السداسية بنجمة عادية لا تثير في المسلمين شيئا ً حفاظا ً على الإنتاجية ، وقد ذكرت في بداية حديثي أن شعار المؤسسة من أولى الدلائل على ثقافتها ، فيحسن التنبه لهذا ! .

Réactions :

0 commentaires:

إرسال تعليق