الثلاثاء، 3 مايو، 2011

العقيدة الإسلامية والمذاهب المعاصرة

مقدمة

الحمدُ لله ذي العز المجيد، والبطش الشَّديد، المبدئ المعيد، الفعَّال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنَّار بعد الإنذار بها والوعيد، المُكَرَّم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كُلِّ خير مزيد، فسبحان من قسم خلقه قسمين، وجعلهم فريقين فمنهم شقيٌ وسعيد، من عمل صالحاً فلنفسهِ ومن أَساءَ فعليها وما رَبُّكَ بظلاَّمٍ للعبيد، أحمده وهو أهل للحمد والثناء والتَّمْجيد، وأشكره ونعمه بالشُّكر تدوم وتزيد، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وحده لا شريك له ولا كُفْوَ ولا عدل ولا ضد ولا نديد، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عبده وَرَسُوْلُهُ الداعي إلى التَّوْحِيْد، السَّاعي بالنصح للقريب والبعيد، المبشِّر للمؤمنين بدارٍ لا ينفد نعيمها ولا يبيد، المحذر لمن خالف أمره مِنْ نَارٍ تلظَّى بدوام الوقيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة لا تزال على كَرِّ الجديدين في تجديد ، وسلَّم تسليماً أَمَّا بعد :

الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويخافوه ويوحدوه، فمن تَأَمَّلَ الكتاب الكريم، وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السُّنَّة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سِيَر السَّلَف الصَّالِح أهل العلم والإيمان، من الصًّحَابَة والتَّابِعِيْن لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الحرص على تَوْحِيْد الله في رُبُوْبِيَّتِهِ وَأُلُوْهِيَّتِهِ والأَسْمَاءِ وَالصِّفَات، وأنَّ ذلك هو الذي رقَّاهم إلى تلك الأحوال الشَّريفَة والمقامات السَّنِيَّات، ومن أراد السَّيْر على منوالهم، والاقتداء بأفعالهم، فلينهج نهجهم في حرصهم على الْعَقِيْدَة، وليعزم على تعلمها عزيمةً أكيدة، فإنَّه ظافرٌ بالسَّعادة، وحائزٌ على العزة والرِّيادة، ومن أجل تحقيق ذلك فهذه ورقات في بيان عَقِيْدَة أهل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة، الفرقة النَّاجية المنصورة إلى قيام السَّاعة، جريتُ فيها على الاختصار، سائلاً المولى الرَّحيم الغفَّار، أنْ يُنَجِيْنِي بها من النَّار، ويجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنَّه هو البر الرحيم، وصلى اللهُ على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

مبادئ علم العقيدة

مبادئ علم الْعَقِيْدَة:

إنَّ لكل علمٍ مبادئ ، نَظَمَهَا بعضُهُم في هذه الأبيات:

إنَّ مبادي كُلَّ فـنٍ عـشـرة الحَـدُّ والموضوعُ ثُمَّ الثَّمَرة

وفـضلُه ونسبةٌ والـواضعُ والاسْمُ الاستمدادُ حكمُ الشَّارع

مسائلٌ والبعضُ بالبعضِ اكتفى ومَنْ دَرَى الجميعَ حَازَ الشَّرَفَا

تعريف العقيدة في اللغة

الْعَقِيْدَة لغةً: فعيلة بمعنى مفعولة؛ كقتيلة بمعنى مقتولة.

وعقد واعتقد بمعنى اشتد، وصلب، واستحكم، وَمَدَارُ الكلمة على الُّلزوم، والتَّأكُد ، والاستيثاق.

ويطلق على العهد وتأكيد اليمين (عَقْدٌ).

وما عقد الإنسان عليه قلبه فهو (عَقِيْدَةٌ).

وأصلها من العقد: وهو بمعنى الربط والشد بقوةٍ وإحكام، ومنه الإِبرام، والتَّماسك، والمُراصَّة، والتَّوثيق، والتَّأكيد، والجزم، كلها تُسَمَّى عَقْدَاً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في التَّصميم والاعتقاد الجازم.

تعريف العقيدة اصطلاحاً

التَعْرِيْفُ الاصطلاحي للعَقِيْدَة له مفهومان: عام، وخاص، فالمفهوم العام: هو معنى الْعَقِيْدَة بقطع النَّظر عن كونها صحيحة أو فاسدة، أمَّا بالمفهوم الخاص: فهو تَعْرِيْفُ الْعَقِيْدَة الصحيحة.

الْعَقِيْدَة بالمفهوم العام: هي الإيمان الجازم، والحكم القاطع، الذي لا يتطرَّق إليه شَكٌ لدى المُعْتَقِد.

الْعَقِيْدَة بالمفهوم الخاص (وهي الْعَقِيْدَة الإِسْلامية): هي الإيمان الجازم بالله I، وما يجب له في رُبُوْبِيَّتِهِ، وَأُلُوْهِيَّتِهِ، وأسمائه وصفاته، والإيمان الجازم بقضايا الغيب ومنها: الملائكة، والْكُتُبُ، والرُّسُل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النَّصوص من قضايا الاعتقاد، وما أَجْمَعَ عليه السَّلَفُ، والتَّسْلِيم لله في الحكم والأمر والشَّرْعِ، ولرسوله r بالطاعة والتَّحكيم والاتِّبَاع.

تعريف التوحيد

التَّوْحِيْدُ لغةً: مشتق من وَحَّدَ الشيء إذا جعله واحداً، فهو مصدر وَحَّدَ يُوَحِّدُ، أي جعل الشيء وَاحِدَاً.

لا يتحقق التَّوْحِيْد إِلاَّ بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموَحَّد، وإثباته له وحده؛ فمثلاً نقول إنَّه لا يتم التَّوْحِيْد حتى يشهد أنْ لا إله إِلاَّ اللهُ، فينفي الأُلُوْهِيَّة عمَّا سوى الله عز وجل، ويثبتها لله وحده، وذلك أنَّ النفي المحض تعطيلٌ محض، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغير في الحكم.

فلو قلتِ مثلاً: فلانة قائمة، فهنا أثبتِ له القيام، لكنَّكِ لم توحديه به؛ لأنَّه من الجائز أنْ يشاركها غيرها في هذا القيام، ولو قلت لا قائمة، فقد نفيتِ نفياً محضاً ولم تثبتِ القيام لأحد، فإذا قلتِ لا قائم إِلاَّ هند، فحينئذٍ تكون وحدتِ هنداً بالقيام حَيْثُ نفيتِ القيام عمَّن سواها وهذا هو تحقيق التَّوْحِيْد.

واصطلاحاً: إفراد الله I بما يختص به من الرُّبُوْبِيَّة، والأُلُوْهِيَّة، والأَسْمَاء وَالصِّفَات.

موضوع الْعَقِيْدَة

إنَّ موضوع الْعَقِيْدَة من حَيْثُ كونها علماً هو معرفة الله بإثبات ما لله من صفات كماله، ونعوت جلاله، وتنـزيهه عن كُلِّ نقصٍ وعيب، وتنـزيهه عن مشابهة المخلوقات، وتقرير التَّوْحِيْد والإيمان، والغيبيات، والنبوات، والقدر، وسائر أصول الاعتقاد، بأدلتها من الكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلَف، ودفع ما يعارض هذه الأصول، والرد على المبتدعة المعارضين، وذم الغافلين المعرضين، ومدح أهل السُّنَّة القائمين بهذه الْعَقِيْدَة علماً وعملاً وحالاً ودعوةً، وبيان ما لهم عند ربهم من الكرامة. وهذه الموضوعات الجليلة هي أصل العلوم كلها. .

ثمرة العقيدة

إنَّ ثمرة علم الْعَقِيْدَة هي أغلى ثمرة يبحث عنها الإنسان؛ ألا وهي الفوز بسعادة الدارين.

فالبشر كلهم عبيدٌ الله، ووظيفةُ الأمة وقيمتها أنْ تقوم بالعبادة، فالتي لا تقوم بالعبادة، ولا تؤدي وظيفتها فقد ثارتْ على فطرتها، وفقدتْ قيمتَها، وقوام العبودية تصحيح الْعَقِيْدَة والإيمان، فمن تطرَّق إلى عقيدتها خلل، أو تعرض إيمانها لفساد لم تقبل منها عبادة، ولم يصحَّ لها عملٌ، وَمَنْ صَحَّتْ عقيدتها، واستقام إيمانها كان القليل من عملها كثيراً، ومن هنا وجب على كُلِّ مسلمة أنْ لا تدخر وسعاً في تصحيح إيمانها، وأنْ يكون الحصول عليه والاستيثاق منه غاية أملها، ونهاية سؤلها لا تعدل به شيئاً، ولا تتأخر فيه دقيقة.


فضل علم الْعَقِيْدَة

إنَّ علم الْعَقِيْدَة أشرف العلوم، وأفضلها، وأفرضها، وأنفعها، وأجلها؛ لأَنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو اللهُ تبارك وتَعَاْلَى.

نسبة علم الْعَقِيْدَة إلى بقية العلوم

أمَّا عن نسبة علم الْعَقِيْدَة إلى بقية العلوم فهو أصل العلوم؛ إذ العلوم كلها مبنيَّة على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهذه هي أصول الإيمان وأركانه، وغير ذلك من الأسس - التي لابد منها في سائر العلوم - هي موضوعات يتناولها علم الْعَقِيْدَة.

واضع علم الْعَقِيْدَة

إنَّ واضع علم الْعَقِيْدَة هو الله تبارك وتَعَاْلَى بواسطة رسله عليهم الصلاة والسلام، وهذا مما يدل على عظيم منزلة هذا العلم، وعلو قدره.

أسماء علم الْعَقِيْدَة

يُعرف هذا العلم عند أهل السُّنَّة بعدة أسماء، تصدق عليه وهي كالتَّالي:

1-الْعَقِيْدَة: (والاعتقاد والعقائد): فيقال عَقِيْدَةُ السَّلَف، وعَقِيْدَةُ أهل السُّنَّة، وعَقِيْدَةُ أهل الأَثَر ونحوه، ومن ذلك:

شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة للإمام اللالكائي.

2-التَّوْحِيْد: وهو وإنْ كان موضوعاً من موضوعات الْعَقِيْدَة، لكنْ لأنَّه من أشرف موضوعات الْعَقِيْدَة وأهمها أُطلق على الْعَقِيْدَة؛ لأَنَّ إطلاق الجزء على الكل دليل على أهميته، ومن ذلك:

كتاب التَّوْحِيْد وإثبات صفات الرب، لابن خزيمة.

كتاب التَّوْحِيْد، لابن مندة.

كتاب التَّوْحِيْد، لشيخ الإِسْلام محمد بن عبد الوهاب.

3- السُنَّة: وأطلق السَّلَفُ اسْمَ السُّنَّة على الْعَقِيْدَة؛ لأَنَّ السُّنَّة تشمل كُلَّ ما أُثِرَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقاد أولاً، والعلم ثانياً، والعمل ثالثاً؛ ولأنَّ السُّنَّة في اللغة الطريقة، فأُطلق على عَقِيْدَة السَّلَف السُّنَّة لاتباعهم طريقة الرَّسُوْلِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك، وهذا الإطلاق هو أشهر إطلاقات الْعَقِيْدَة في القرون الثَّلاثة المفضَّلة، ومن ذلك:

أ- السُّنَّة، للإمام أحمد.

ب- السُّنَّة، للإمام عبد الله بن الإمام أحمد.

ج السُّنَّة، لأبي بكر الخلال.

4-أصول الدِّيْنِ (أصول الديانة): والأصول هي أَرْكَانُ الإيمان، وأَرْكَانُ الإِسْلام، والمسائل القطعيَّة، وما أجمع عليه المسلمون، ومن ذلك:

الإبانة عن أصول الديانة، لابن بطة.

الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري.

5- الفقه الأكبر: وهو يرادف أصول الدِّيْنِ، مقابل الفقه الأصغر وهو الاجتهادية، ومن ذلك:

أ‌- الفقه الأحكام الأكبر المنسوب لأبي حنيفة.

6-الشَّريعة: أي ما شرعه الله وَرَسُوْلُهُ من سنن الهدى، وأعظمها أصول الدِّيْنِ، ومنه قوله تَعَاْلَى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْك}، ومن ذلك:

الشَّريعة، للإمام الآجري.

اصطلاحات تطلقها الفرق الضالة على علم العقيدة

وهناك اصطلاحاتٌ أخرى تُطْلِقُهَا الفِرَقُ الضَّالَة على هذا العلم، ومن أشهر تلك المصطلحات ما يلي:

1-عِلْمُ الكلاَمِ: وهذا الإطلاق يعرف عند سائر الفِرَقِ المُتَكَلِّمَة؛ كالمعتزلة والأشاعرة، وهو لا يجوز؛ لأَنَّ علم الكلام مُبْتَدَعٌ، ويقوم على التَّقَوُّل على اللهِ بغير علم، ويخالف منهج السَّلَف في تقرير العقائد.

2-الفَلْسَفَة: عند الفَلاَسِفَةِ ومن سلك سَبِيْلَهم، وهو إطلاق لا يجوز في الْعَقِيْدَة؛ لأَنَّ الفلسفة مبناها على الأوهام، والعقليات الخياليَّة، والتَّصًورات الخُرَافِيَّة عن أمور الغيب المَحْجُوْبَة.

3-التَّصَوُّف: عند المُتَصَوِّفَة والفَلاَسِفَةِ والمُسْتَشْرِقِيْنَ ومن نحا نحوهم، وهو إطلاق مُبْتَدَعٌ؛ لأنَّه ينبني على اعتبار شَطَحَات المُتَصَوِّفَة ومزاعمهم وخرافاتهم في الْعَقِيْدَة.

4-الإلِهِيَّات: عند أهل الكلام، والفَلاَسِفَةِ والمُسْتَشْرِقِيْنَ وأتباعهم، وهو خطأ؛ لأَنَّ المقصود به عندهم فلسفات الفلاسفة، وكلام المتكلمين والملاحدة فيما يتعلق بالله تَعَاْلَى.

استمداد علم العقيدة

لها مصدران أساسيان هما:

كتاب الله تَعَاْلَى (الْقُرْآن الْكَرِيْم).

السُّنَّة الثَّابِتَة الصَّحِيْحَةُ. فالرَّسُوْلُ r، لا ينطق عن الهوى إنْ هو إِلاَّ وحيٌ يوحى.

وإجماع السَّلَف الصَّالِحِ مصدرٌ مبناه على الكِتَابِ والسُّنَّة.

أمَّا العقل السَّلِيْم، والفطرة المستقيمة فيوافقان الأدلة المذكورة، ويدركان ضرورة النُّبُوَات، وإرسال الرُّسُل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال على الإجمال لا على التَّفْصِيْل.

أمَّا أمور الغيب فلا سَبِيْلَ لإدراك شيءٍ منها على التَّفْصِيْل إِلاَّ عن طريق الكِتَابِ والسُّنَّة.

حكم تعلم العقيدة

الْعَقِيْدَة وجوباً عينياً؛ أي أنَّه يجب على كُلِّ مسلمة تعلم الْعَقِيْدَة من حَيْثُ الإجمال، أمَّا مسائلُهُ الدَّقِيْقَةُ، والرَّدُ عل أهل الْبِدَع، فهذا واجبٌ كفائي، إذا قام به البعضُ سقط الإثمُ عن الباقين، وسيأتي مزيد بيان في الكلام عن وجوب التَّمَسُّك بعَقِيْدَة أهل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة.

مسائل علم العقيدة

مسائل الْعَقِيْدَة: هي القضايا المبحوث عنها فيه، وهي أصول الإيمان السِّتَة، وأسماء الله وصفاته، وعدالة الصًّحَابَة، ونحوها من مسائل الْعَقِيْدَة، وأحياناً تُذْكرُ بعضُ المسائل الفقهية؛ لاتِّفَاقِ أهل السُّنَّة عليها ومخالفة أَهْلِ الْبِدَع لهم في ذلك؛ كالمسح على الخُفَّيْن.

Réactions :

0 commentaires:

إرسال تعليق